المرأة والمجتمع المدني

الوشم.. تجميل معبّد بالابتزاز الجنسي

هدى العزاوي *

بعد مرور عشرة أيام على إجراء الطالبة الجامعية (ف،ج) عملية الوشم، وصلتها مجموعة من الصور على بريدها الالكتروني، تكشف أجزاء حساسة من جسدها، وباوضاع مختلفة، وما زاد الأمر سوءا ان مرسل الصور أكد انه يحتفظ بفيديو يصورها بتلك الأوضاع، وسيرسله لها لاحقا، فسارعت لإغلاق البريد، محاصرة بسؤال خانق: في أي مكان التقطت لها تلك الصور؟ وكيف تم ذلك من دون أن تعلم؟

 

لقد أدركت قبل التوصل إلى أية إجابة، انها تتعرض للابتزاز، لكنها عجزت عن كشف مكان صورها ومن قام بتصويرها بشكل يعرّض حياتها للخطر. عادت الضحية الى الصور وفحصها، مركزة على الملابس التي كانت ترتديها، وتذكرت من خلالها ان الصور التقطت لها اثناء زيارتها لأحد مراكز الوشم الحديثة في قلب العاصمة بغداد، كما تذكرت بأن الوشام أعطاها قبل البدء باجراءات الوشم، أنبوبا يحتوي على مرهم، طالباً منها الدخول الى غرفة منعزلة لتدهن جسدها، ذلك ان هذا الإجراء ضروري للحد من التأثيرات الجانبية لعملية الوشم كما قال لها. وهناك بالضبط تم التقاط الصور لها، وقد تيقنت من تلك الحقيقة عندما لاحت لها قلادتها الذهبية في الصور، وتذكرت انها لا تتزين إلا نادرا، وقد وضعتها على رقبتها يوم ذهبت لذلك المركز.

 

وقالت فيما بعد لصديقة لها بأن الوشام هو الذي صورها بهذه الوضعية التي عرّضت حياتها للخطر، "نعم الوشام وليس غيره". وتقول صديقة الضحية (س. م)، ان "الحالة النفسية لـ(ف. ج) قد دمرت بالكامل، وأمام هذا الوضع المتأزم فكرت باخبار الشرطة أو أحد من ذويها لاسيما بعد ان وصلتها رسالة من مرسل الصور يقترح عليها اللقاء في مكان عام ليسلمها الصور". بحكم الصداقة بينهما حاولت (س.م) مساعدة صديقتها واقترحت عليها حلولا كثيرة للحيلولة دون ان يستفحل الابتزاز. وكان من الحلول التي اقترحتها ان تبلغ الشرطة، لكنها رفضت ذلك، ولم ترد ان يطلع أي شخص على "صورها المعيبة" حسب قولها، كما رفضت أن يقوم شقيق صديقتها بمساعدتها ويذهب معها بالسرّ إلى لقاء مرسل الصور في مكان عام لكي يتم التعرف على هويته. بقيت الضحية حسب رواية (س.م) "تعيش في بئر من الحزن والقلق، ولم تستطع اتخاذ أي قرار، ولم تحبذ اطلاعي حتى على مركز الوشم الذي زارته".

 

وتوضح (س. م) بأن ثقتها كانت عالية بقدرة صديقتها على إيجاد حل للأزمة ووضع حد للوشام الذي ابتزها، قائلة، "طوال معرفتي بها عرفت انها انسانة شجاعة وتربطها علاقة فردية من نوعها بأفراد عائلتها". تمسح صديقة الضحية دموعها المنفلتة على خديها، وتخنقها العبارات، فتجهش ببكاء مرير، وهي تتذكر تلك اللحظة التي سمعت فيها ان صديقتها أقدمت على الانتحار بتناول جرعة كبيرة من الأدوية، لتكون ضحية قاتل مجهول حرّ طليق في العاصمة بغداد.

 

لقد نشط سوق التجميل بعد سقوط النظام السياسي السابق عام ٢٠٠٣ وتوسع من خلال مراكز طبية متخصصة حصلت على تراخيص من وزارة الصحة، انما أدت كثرة الاستقبال على هذا السوق الناشئ الى ظهور مراكز أخرى تعمل دون موافقات رسمية. هذا ما أكده صاحب احدى المراكز المعروفة وسط العاصمة  بغداد الدكتور حسن الجنابي قائلاً: "هناك مراكز طبية خاصة برسم الأوشام تستخدم أجهزة التاتو الحديثة وقضت على الطرق البدائية والمؤلمة السائدة، انما بيئة العمل في الغالب غير خاضعة للضوابط الصحية والقانونية، وقد يتعرض الزبون للأمراض الانتقالية مثل التهاب الكبد الفيروسي الذي ينتقل عن طريق الدم الملوث والاحبار الخاصة بالتاتو؟!

 

ويؤكد الجنابي على ان اغلب الذين يعملون في الوشم هم من الذكور. وكانت أغلب عمليات التجميل الطبية في العراق وحتى عام 2003 تجري بشكل محدود في الداخل وباسعر مكلفة جدا، ولا يجريها إلا بعض المسؤولين الرسميين فضلا عن نجوم المجتمع كالمطربين والرياضيين، وكان الكثير من الأثرياء يفضلون إجراءها خارج البلاد إذا اقتضت الضرورة.

 

يعرف علي الوشام، الذي يمتهن الرسم على أجساد النساء، الكثير من أسرار هذا العالم السرّي، ويشير الى ان اهتمام بالغ من قبل النساء بالوشم، وذلك من أجل لفت اهتمام الرجل ووضعه في محيط الاثارة والرغبة، الا انهن يقعن في الغالب بين كماشتي الابتزاز والامراض الانتقالية، "خاصة ان أغلب هذه المراكز تفتقر للأمانة العلمية في استبدال الإبر الخاصة بالوشم، فضلا عن الأحبار مما يجعلهن عرضة للأمراض الانتقالية"، حسب قوله.

 

يذكر ان ظاهرة الوشم على الأماكن الحساسة أو المستورة تنتشر بشكل كبير بين الأوساط النسائية ويرغب الكثير بينهن خوض التجريب، أو يرغبن بمحاكاة ما يرينه في الافلام او المسلسلات ووسائل التواصل الاجتماعي

 

ويرى الباحث الاجتماعي الدكتور محمد عبدالحسن، ان "أغلب هذه المشكلات تبقى في العمق ولا تطفو إلى السطح، وهذا متآت من طبيعة المجتمع العراقي التي تهيمن عليه الكثير من العادات والتقاليد البدوية المتحجرة، لا سيما فيما يتعلق بالمرأة. غالبا ما تقتل المرأة التي ينتهك عرضها تحت مبرر غسل العار، رغم انها ضحية ذئب بشري يبقى طليقا ومتهيئا للانقضاض على فريسة أخرى.

 

ويقول عبدالحسن، إن "أغلب النساء لا يبلغن ذويهن عن مضايقات المتحرشين والمبتزين، خوفا من أن يتم منعهن من الخروج، أو زيادة الرقابة عليهن. وتساهم البيئة الاجتماعية المتخلفة إلى حد كبير في جرائم ابتزاز النساء وهتك أعراضهن، ذاك ان ابواب الحوار بين النساء وذويهن مغلقة".

 

من جهته، يؤكد القاضي ناصر عمران بان "الفتاة التي تتعرض للتصوير او التسجيل غير المناسب والمخالف للنشر بعلانية وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، تكون أمام خيارات تؤدي على الأغلب الى نهاية مروعة، فالسقوط في فك الابتزاز يعرّض الفتاة الى الاستغلال المادي والجسدي وينتهي بها الحال الى الانحدار والسقوط أو القتل، وقد تتحول بعد ذلك الى اداة لممارسة دور الابتزاز ضد الاخريات".

 

وتؤكد التجارب حسب القاضي عمران على ان الفتيات حين يرفضن الابتزاز يتم تنفيذ التهديد. ويعد هذا الفعل اجراما وفق المواد 430 و432 من قانون العقوبات، وكثيرا ما يتم عبر مواقع التواصل الاجتماعي ومواقع الهكرز وانشاء صفحات وهمية، وفي هذه الحال يتم تجريم المبتز وفق المادة 292/ 298 في قانون العقوبات مع الاقتران بمواد التشهير والقذف والسب وافشاء الاسرار وفق المواد 433 و434 و435 و436 من قانون العقوبات".

 *كتبت هذه القصة ضمن مشروع لمنظمة أنترنيوز لتدريب الصحفيين حول كتابة وإنتاج القصص الصحفية عن القضايا الحساسة المتعلقة بالنوع الاجتماعي (الجندر) في العراق.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى