تقارير وتحقيقات

“الحب الأول”… أسطورة في عيون الشباب ونوستالجيا الآباء والأجداد

أمينة خيري

 

لم يعد مشهد "صلاح" وهو يمشى وحيداً على الرصيف من دون أن تأتي "سميحة" لتمسك يده يدغدغ مشاعر الفتيات، كما لم تعد وهي مستلقية على الفراش وتهز قدميها دلالاً وذوباناً مطالبة صلاح بأن "يقفل هو الأول" (يغلق الهاتف أولاً) تداعب أحلام الشباب وتضعضع ذكرياتهم.

 

رحيل الحب الأول

حتى ذكرياتهم نفسها، يخلو الكثير منها من متلازمة الحب الأول التي "رحلت برحيل جدو وتيتة" اللذين كنا يداومان على مشاهدة هذا الفيلم الغريب ("الوسادة الخالية" بطولة عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز)، حسبما يقول طالب يُدعى مالك عزمي (20 عاماً)، والسؤال الذي كان يفترض أن يكون ذا وقع رومانسي وأثر عاطفي حول "ماذا يمثل لك الحب الأول؟" اتضح أنه ذو وقع كوميدي يصل إلى حد القهقهة.

مالك يقول إنه "أحب واتحب" عشرات المرات منذ كان في الـ11 من العمر، وبمحاصرته طلباً للحصول على إجابة، قال "في كل مرة تكون لديّ صديقة أعتبر مشاعري تجاهها الحب الأول"، وهو ما وافقت عليه الصديقة الجالسة إلى جواره، مشيرة إلى أنها تتفق معه في التوجه، فهي في كل مرة يكون لديها صديق تعتبره حباً أول.

الحب الأول بمفهومه المتغلغل في القلوب المخترق للقيود المنغمس في العقول والذي يبقى مطبقاً على أنفاس صاحبه طيلة حياته يكاد يكون مقتصراً على شاشة "روتانا زمان" والقاعدة العريضة من مشاهديها ممن ينتمي أغلبهم إلى فئة الكهول والشيوخ وغيرهم من الفئات العمرية الممسكة بتلابيب "الوسادة الخالية".

 

الوهم الأول!

"إن الوسادة الخالية أحسن ألف مرة من تلك التي يشغلها شخص ثقيل أو رذيل أو غير مرغوب فيه، والربط الغريب بين مشاعر الحب والعشق والولع والشخص الذي يشغل الوسادة إلى جوارك هو مسألة حظ، لا أكثر ولا أقل"، هكذا ترى نسمة محمود (30 عاماً) وسادتها الخالية التي تم شغلها لسنتين من قبل "الحب الأول" في حياتها، والذي اتضح بعد أسابيع الزواج الأولى أنه "الوهم الأول".

نسمة التي حصلت على الطلاق بعد عامين شديدي المرارة تقول إنها تحب مشاهدة أيقونة الحب الأول "الوسادة الخالية" على الرغم من تجربة الزواج المريرة من الحب الأول، وتؤكد "هذا الفيلم جميل جداً، لكنه مسؤول عن تهويل هذا المفهوم، وتحويل هذا النوع من العلاقات إلى فكرة أكبر بكثير من الحقيقة".

الواقع يشير إلى أن الحب الأول بعد مرور عقدين من الألفية الثالثة فقد عرشه وتحوّل من الصدارة إلى "الأنتكخانة" (كلمة فرنسية تركية مركبة وتعني دار الآثار)، لم يعد "الحب الأول" يشغل المكانة ذاتها التي كان يحظى بها قبل ميلاد الثورة الرقمية وخروج جيل الألفية وما تلاه من أجيال X وYوZ وأخيراً جيل "ألفا".

 

الحب البطيء

عالمة الأنثروبولوجيا البيولوجية الأميركية، هيلين فيشر، تقول إن هذه الأجيال تتبع ما يُسمى "الحب البطيء"، وهي تعرِّف إيقاع الحب لدى هذه الأجيال بأنه زواج متأخر، ومشاعر متأنية تبتعد عن تأجج النيران العاطفية لدى الأجيال الأكبر حين كانت في مثل أعمارهم، وحتى ممارسة الجنس، هم ليسوا متلهفين عليها نفس تلهف آبائهم وأمهاتهم وجيل الأجداد.

وتعلل فيشر ذلك بعوامل مثل معدلات القلق الأعلى لدى أبناء الأجيال الجديدة، ومساحات أكبر بكثير مخصصة للشاشات بأنواعها ومنصات التواصل الاجتماعي، والتي تملأ جانباً كبيراً، وربما مبالغاً فيه، في حياة الأجيال الجديدة.

وعلى الرغم من الفروق في العادات والتقاليد بين هناك وهنا، ومسائل ممارسة الجنس قبل الزواج، فإن الأجيال الجديدة هنا لا تختلف كثيراً عما هناك في التغيرات الواضحة فيما يتعلق بالمشاعر والأساطير المنسوجة حول الحب الأول، وفي عيد مثل "فالنتاين" أو عيد الحب (المصري) في 4 نوفمبر (تشرين الثاني)، وعلى الرغم من ازدهار حركة مبيعات الهدايا والورود، فإن الحركة لا يكتنفها إغراق رومانسي أو يطغى عليها إفراط عاطفي، وحتى في حالات عدم الاكتفاء بتبادل الهدايا الحمراء وتذييلها بقبلات وأحضان وما تيسر (وهي بالمناسبة ليست قليلة على الرغم من المظهر المحافظ في الشارع)، يبقى الإفراط العاطفي استثناء وليس قاعدة.

 

تحكيم العقل

"قاعدة الزواج السريع عقب التخرج لم تعد سارية المفعول بالشكل نفسه الذي كان موجوداً زمان، وكل من الفتاة والشاب لديه أحلام خاصة بالعمل والمال والحياة يريد أن يحققها قبل أن يعيقهما الزواج، وربما هذا ما يجعل أبناء وبنات هذا الجيل أكثر وعياً بتحكيم عقولهم قبل قلوبهم في مسائل الحب والعشق"، كلمات حكيمة تقولها رودينة أحمد (27 عاماً)، مهندسة، التي لا تهاجم أو تسخر أو تقلل من فكرة "الحب الأول"، لكنها في الوقت نفسه تقول إن درجة تحكيم العقل والوعي بالأولويات بين أبناء وبنات الأجيال الأصغر سناً ربما قلَّصت من أهمية ورومانسية "الحب الأول".

ويمكن القول إن "السرية" كلمة أكثر أهمية وواقعية من كلمة "الرومانسية" بين الأجيال الصغيرة، فسرية العلاقات وحدودها وقواعدها سمة واضحة وغالبة، لا سيما بين أبناء وبنات الطبقات الرابضة في منتصف الهرم الاجتماعي في اتجاه قاعدته.

المظهر المحافظ في مصر، حيث الغالبية المطلقة من الفتيات ترتدي غطاء الرأس دلالة على التدين والالتزام لا يتعارض أبداً مع العلاقات مع الجنس الآخر بين الكثيرات، وصحيح أن الالتزام الديني الشديد الذي ألقى بظلاله على العلاقات بين الجنسين في مصر منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي دفع البعض إلى اعتبار أي نوع من أنواع التعامل أو التواصل مع الجنس الآخر عملاً محرماً، إلا أن النسبة الأكبر تتساهل في هذه الجزئية.

 

توقعات كبرى

وتشير دراسة عنوانها "توقعات كبرى، مستقبل غير مضمون: عن الشباب والحب والزواج في مصر" أجرتها مجموعة من الباحثين في جامعة لييج البلجيكية في عام 2016 إلى أن القيود المجتمعية وتركيبة المجتمع الأبوي في مصر لها مخارج ومهارب، ففي الجامعات مثلاً، حيث تنشأ الملايين من قصص الحب الأول والثاني والثالث والرابع، يجد المحبون والمحبات بدلاً من المهرب عشرة، وقد لا يحضرون المحاضرات، وقد يتحججون بالحاجة إلى شراء احتياجات أو زيارة أصدقاء وأقارب، ويمضي المحبان الوقت سواء في الحرم الجامعي، أو مقهى أو حديقة قريبة، ودائماً تكون هناك ناصية أو موقع أو زاوية بعيدة عن الأعين المتلصصة، وطالما هناك التزام، لا سيما من الفتاة، للعودة إلى البيت في الموعد المحدد، فإن الأمور تسير على ما يرام.

سير الأمور على ما يرام يعني أن تمضي هذه العلاقات بسلام لحين انتهاء عمرها الافتراضي أو تاريخ صلاحيتها. تقول شذى عثمان (25 عاماً)، معلمة، إنها تسمع من جدتها عن علاقة إعجاب عبر النوافذ دامت لعشر سنوات، أو ارتباط عذري بين اثنين استمر سبع سنوات قبل الخطبة والزواج، كما تتابع معها أحياناً أفلاماً مصرية قديمة تظهر المحبين والمحبات وكأنهم كائنات بلا عقل، فهذا غارق في عذاب استمر سنوات لأن حبيبته تزوجت من آخر، وهذه ظلت مخلصة لحبها الأول رغم أنه أقام معها علاقة ورفض الزواج منها لأنها "رخيصة"، وغيرها الكثير من "الأفكار العجيبة".

 

أفكار الألفية العجيبة

تقول شذي "جيلنا أيضاً لا يخلو من أفكار أعجب، فمثلاً الفتيات أصبحن أكثر قوة وجرأة واعتماداً على أنفسهن، كما أصبحن أكثر علماً ودراية بالشباب، وهذه الدراية نالت كثيراً من الهالة الرومانسية التي كانت تحيط بالعلاقات العاطفية، فيما القدرة على الحصول على معلومات علمية حول تركيبة الجنس الآخر، لا سيما بين الفتيات، أسهمت في هدم الهالات العاطفية المفرطة"، وتقول بجرأة شديدة "حين عرفت في سن مبكرة أن الرغبات الجنسية تتحكم في الذكور بشكل أكبر بكثير من الإناث، أثر ذلك في علاقتي بهم، وأعترف أنني كلما قابلت أحدهم أتخيله وهو يفكر فقط في إقامة علاقة جنسية، وهو ما يصيبني بالغثيان".

لكن ليست كل المشاعر مفرطة في ميلها إلى الجوانب الجنسية، وكذا ليست كل العلاقات منزهة عن الجوانب المادية أو التحكمات العقلية، وسواء كان المحبون والمحبات ينتمون إلى مدرسة الإفراط الحسي، أو تحكيم العقل، أو الدخول في علاقات عاطفية طبيعية، يبقى "الحب الأول" أسطورة خيالية بين الأجيال الجديدة ونوستالجيا تبكي على أطلالها الأجيال الكبيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى