المرأة والمجتمع المدني

البابلية سميراميس .. أعظم ملكات الشرق القديم

عراقيات/ رغدة صلاح

فتنت الملكة البابلية سميراميس قلوب الناس في العالم أجمع على مر القرون، وفرضت حضورها في الأدب والتاريخ والرسم والموسيقى، وسميت على اسمها ارقى الاوبرات العالمية، ولم تبخل عليها هوليود بأكبر افلامها، فضلاً عن ذلك يحمل اسمها في جميع انحاء العالم ما لا يحصى من المراكز السياحية، والفنادق، ودور التجميل.

اختلفت الاقاويل بشأن سميراميس فبعض المؤرخين يشيرون إلى ان اسمها هو شامورامات وتعني (محبوبة الحمام)، لكنَ التاريخ الإغريقي تناقل سيرتها على انها سميراميس فعرفها العالم بذلك. اختلفوا أيضا كثيرًا حول بداية حياتها كفتاة عادية وحياتها كزوجة وملكة.. لكنهم اتفقوا على انها اكثر الملكات "قوة وجمال" على مر العصور.

قيل أن ملك الإمبراطورية الآشورية "شمشي أدد الخامس" ( حكم من 822-811 ق.م)  قد عشق سميراميس على الرغم من انها كانت متزوجة من مستشاره الحربي آنذاك، إذ كان زوجها المستشار يطلب رأيها في أمور عمله وخططه وكانت آرائها سديدة وحكيمة دائمًا مما جعله يعتمد عليها ولا يستطيع مفارقتها أينما ذهب؛ وعندما شاهدها الملك فتن بجمالها، فضلاً عن أن معرفته السابقة بذكائها الذي ذاع صيته، جعلته يهيم بها حبًا، لذا أمرها ان تكون زوجته وملكته، واجبر زوجها على تركها، وهدده بقلع عينيه، وتحت وطأة الخوف واليأس استسلم المستشار لطلب الملك، فتزوجها؛ وهكذا بدأت حياتها الملكية، وفيما بعد انجبت طفلاً للملك سمي بــ "أداد نيراري الثالث".

وبعد موت الملك، أصبحت سميراميس ملكة رسمياً بصفتها وصية على عرش ولدها حتى بلغ سن الرشد، وقبل ذلك كانت تشارك أيضًا بالحكم في ايام زوجها الملك، وبدأت وصايتها على العرش ببناء ضريح فخم في نينوى تمجيداً لزوجها الملك، وقضت وهي على رأس الجيش الآشوري، على التمرد البابلي، ودحرت جيوش الكلدانيين والميديين. أقنعت بهذه الإدارة السريعة والسديدة المجتمع الآشوري، المعتمد كلياً على الرجال بأن سميراميس قادرة على قيادة البلاد، فمنحها كبار رجالات الدولة، منهم نائب القائد العام، والمفتش الكبير، وكبير السقاة، ومنادي القصر، ثقتهم ودعمهم، على الرغم مما اثارته من الرعب في نفوس الكثيرين الذي لم يشهدوا بروز امرأة تدير البلاد وتحكمها.

استمرت سميراميس في التدخل بشؤون الدولة حتى بعد أن أصبح ابنها "أدد نيراري الثالث" ملكاً، ولأنها هي من عيّن مجالس الكبار في الإمبراطورية، وحكام المقاطعات، فإن سياستها استمرت في التأثير لمدة طويلة، وبقي ظلها على الابن حتى وفاتها عام 785ق.م.

لم تكتف هذه المرأة العظيمة بالسلطة السياسية وإدارة شؤون البلاد بل تعدتها إلى التأثير في الحياة الدينية والفكرية والاجتماعية، منحها اصلها الجنوبي بعض الخصوصيات الثقافية التي مكنتها من أن تشيع المؤثرات البابلية على طريقة الحكم وعلى الكهنوت الآشوري وعلى عموم الحياة في نينوى، فأضفت نوعا من الرقة والروحانية الجنوبية على المذهب الآشوري الذي كان يتسم في تقديس الفحولة.

إن حكمة هذه المرأة، التي وصلت بمحض الصدفة إلى أكثر عرش رهبةً في الشرق القديم، تظهر في حذرها الذي مارسته في السلطة، فمارست نفوذها بهدوء، وقيل أن لها قوة خارقة كبطلة عراقية تكاد ان تكون الرديف الانثوي للبطل "كلكامش"، ولهذا صُنفت هذه البابلية أعظم ملكة في الممالك الشرقية كافة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى