المرأة والمجتمع المدني

امي (زوجة أب) ...

   
4 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   15/05/2019 11:28 صباحا

عواطف مدلول*

 في طفولتي غالباً ما كنت اشاهد الافلام والمسلسلات العربية التي تنقل صورة زوجة الأب بشكل سلبي، بحيث لا تظهر سوى الملامح  السيئة فيها، فتصورها تلك الانسانة الشريرة التي لا تحمل في داخلها غير الحقد والكراهية على أبناء زوجها، وكأن ليس لديها اي نوع من الرحمة والشفقة  تجاههم، وتسعى جاهدة الى ان تسرق منهم محبة وحنان والدهم وتنفرد بها، وكم مرة غرز الالم سهامه في قلبي واوقعني في حيرة من امري لان مااراه في واقعي غير ما تتفق وتجتمع عليه تلك الاعمال حول هذه الشخصية،  لاسيما بعد ان اكتشفت ان امي هي الزوجة الثانية لوالدي (رحمهما الله)،  وقد ارتبط بها بعد ان توفت زوجته الاولى على اثر اصابتها بمرض اودى بحياتها، تاركة خلفها اربعة اولاد  يتامى، عوضهم الله بام حنون رغم صغر سنها، الا ان قلبها بستان عطاء لا ينضب، فحرصت واجتهدت على ان تكون بمثابة ام حقيقية لهم .

نعم كانت والدتي تسمى (زوجة أب ) لكنها مارست دورالامومة مع اخوتي الاشقاء بشكل فريد لا يمكن ان تعبر عنه الكلمات، حتى كنا انا واخوتي نحسدهم على حجم الاهتمام الذي منحته لهم، بحيث لايستطيع احد ان يشعر ولو بتصرف بسيط بانها لم تحمل بهم وتلدهم من رحمها، فقد اعتنت بهم نفسياً وجسدياً وعملت على تلبية احتياجاتهم ومتطلباتهم لا بل ميزتهم ببعض المواقف عنا.

وبالرغم من الاصوات النشاز المحيطة بها والتي  كانت تحاول ان تؤثر فيها كي تتخلى عن جزء من انسانيتها، وتقلل من عزيمتها وتهبط معنوياتها، من خلال زرع بذورالفتنة والشك في بيتنا، لم تبد امي  اي تقصير وحملت الامانة بكل ضمير بحيث لم تفرق يوماً في تربيتنا وطريقة تعاملنا، حتى انها تنازلت عن كثير من حقوقها وخسرت سنوات عمرها الجميلة، وتقبلت ان يقع عليها ظلم شديد لمرات عديدة، في سبيل ان لا يشعر اي واحد من اشقائي ولو بلحظة حزن بسبب فقدان امهم.

كبرنا وكبرت همومنا ومشاكلنا معنا وتدخلات الناس من الاقارب والجيران والاصدقاء لم تتوقف ابداً، لكنها لم تفلح في ان تجعل من قلب تلك الانسانة قاسياً، وانعكست اخلاقها ومبادئها في سلوكنا، فغرست فينا انبل القيم، حينها لم اكن  في درجة من الوعي والادراك بحيث يمكن ان اقدر واقيم ما قدمته من اجل اداء رسالتها  بتلك الطريقة التي تفوق الوصف، حتى وان كان ينكر احياناً بعض اشقائي ذلك بعدما اشتد ساعدهم واستقلوا عنا، فقد كانت تقابل الجحود بالود والتسامح وتبحث عن الاعذار الوهمية لهم كي تبرر سلوكهم هذا، وبنهاية المطاف الجميع يعترف بطيبتها وصدق نواياها واخلاصها ، ويذكر محاسنها التي لا تحصى ولا تعد.

 امي تلك المرأة التي لم تحصل على تعليم يتعدى قدرتها على القراءة والكتابة، كانت لنا اول واعظم مدرسة اتقنت بجدارة تعليمنا أهم دروس الحياة.

 

* صحفية عراقية تعمل في جريدة الصباح




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45