تقارير وتحقيقات

عدنا إلى الحياة

   
43 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   10/06/2018 10:31 صباحا

 

أبراهيم شيرخان

 

من فريق اللجنة الدولية للصليب في العراق

 

 رحلاتي إلى مدينة الموصل كانت تمر غالبًا عبر مدن بعشيقة وسنجار. فلكل رحلة طريقها وظروفها الخاصة سواء أثناء فترة اشتداد المعارك أو بعد انتهائها.

 

لم يكن الوصول إلى هذه المدن صعبًا، ولكن الصعب والمؤلم جدًا هي قصص وذكريات الأشخاص التي شاركوها معي عن رحلات نزوحهم ومعاناتهم خلال الحرب الطاحنة، هذه الذكريات تحضرني كلما عبرت الطريق الواصل إلى الموصل.

 

كوني موظفًا في اللجنة الدولية للصليب الأحمر، والتي تكفل الحماية الإنسانية وتقديم المساعدات إلى ضحايا الحرب. كنت من ضمن أول الأشخاص الذين دخلوا إلى هذه المدن للاستجابة لاحتياجات الناس هناك سواء في وقت القتال أو بعد انتهائه. .  هذه ليست المرة الأولى التي أذهب بها الى الموصل بعد انتهاء المعركة، ولكني في كل مرة أذهب بها تجتاحني مشاعر وأحاسيس مختلفة، فأنا أحب مهنتي التي تسمح لي بتوثيق الحالات والقصص الإنسانية لأبناء بلدي، ولكن بالوقت نفسه حين أذهب ليلًا لأنام، تلاحقني صور زينب وأحمد وفرهاد وغيرهم من الذين ماتوا أمام عيني وهم يحاولون التشبث بالحياة بعد هروبهم من المعارك ووصولهم إلى المستشفيات، آخر محطات أملهم بهذه الحياة. مع كل رحلة أسلكها إلى الموصل  أتذكر بها هذه القصص مقرونة بأصوات القصف وصريخ العوائل وبكاء الأطفال، ومع كل رحلة أتمنى أن أنسى كل ما شاهدت وشهدت. .

 

 

 

الآن الحياة مختلفة في بعشيقة وسنجار والموصل، فلقد عاد أهلها إليها ورجعت الروح إلى المدن. عند زيارتي الأخيرة إلى بعشيقة، رأيت مدى تكاتف العائلات فيما بينها لتقاسم لقمة العيش وشعورهم  بالآمان مرة أخرى، وخاصة عند عودتهم إلى منازلهم ليبدأوا حياتهم "الطبيعية" مجددًا بعيدًا عن القتال والنزوح.

 

سنجار، بمجرد ذكر اسمها أتذكر كل ما مر بهذهِ المدينة وعلى أهلها. الآن سنجار جميلة، محبة للحياة، لا ترغب بإعادة الكابوس الذي عاشته . يعتمد مجتمع سنجار بشكل رئيسي على تربية الأغنام والزراعه،.  زرت سنجار مؤخرًا، وقابلت عايشان حيدر، امرأة تعيش مع عائلتين في منزل في مركز سنجار. فقدت عايشان خمسة أشخاص من عائلتها ونزحت لأكثر من أربعة سنوات، عادت عايشان لتكمل ما تبقى من عمرها في مدينتها وفي منزل أختها بعد تدمير منزل عائلتها، متمسكة بخيطٍ من الأمل لعودة ما فقدتهُ من حياتها.

 

عند مروري بالموصل وخاصة المدينة القديمة، قابلتُ أم نوار، امرأة كافحت في كل فترة الحصار لتقف وتقول أنا أريد أن أعيش  ولا أريد الموت. تحكي اُم نوار بأنها عاشت لمدة شهرين مع ما يقارب 40 شخصًا في سرداب حجمه ثلاثة أمتار تحت بيتها، كان معها طفل مصاب يحتاج إلى العلاج وهي الوحيدة التي كان لديها القوة لتخرج تحت القصف والمواجهات للبحث عن مضمد. الآن، عادت أم نوار إلى منزلها مع ابنها المتزوج. قالت لي أنها سعيدة جدًا بعودتها إلى منزلها إلا أن حياتها ما زالت صعبة، مع الاضطرار كل يوم إلى توفير اللوازم الضرورية للبقاء على قيد الحياة، كل زاوية من المنزل تذكرها بالزمن الجميل الذي  عاشته مع أولادها وزوجها المحب للسينما والفن. توفي زوجها في سبتمبر/آيلول السنة الماضية بسبب مرضهِ الشديد وعدم توفر الدواء أثناء اشتداد المعارك، وحُرقت جميع شرائط السينما التي كان يحتفظ بها. فاجأتني قوة أم نوار كيف واجهت كل مصاعب الحياة التي ابتدأت بوفاة زوجها ثم البحث عن لقمة العيش عند نزوحها، حتى عودتها إلى منزلها والبدء من جديد مع بيتها الذي نهشته الحرب كأغلب بيوت الموصل.

 

 

 

في كل مرة أعود بها إلى بغداد من الموصل، تراودني جميع المشاهد التي رأيتها في جميع أيام وجودي في الموصل، أتذكر ما حصل لأهل هذهِ المدينة وهم يروون قصصهم ومآسيهم، وخاصة حادثة الزنجيلي ا التيقُتل  فيها أكثر من 300 شخص في يوم واحد، وهم يحاولون الهرب من رصاص القناص ولم يسلم منها حتى ألعاب الأطفال.كنتُ في مستشفى الموصل العام عند حدوث الحادثة، استطاع القليل من الناس الهرب من رصاص القناص ليصلوا الى المستشفى وهم يروون قصص هروبهم المروعة، زرت الزنجيلي بعد انتهاء القتال واستمعت لقصص النازحين الذين عادوا إليها وهم بأسؤ حال.

 

صدمتني الزنجيلي وما حدث بالموصل القديمة، لم أستطيع تجاوز الأمر في وقتها، آلاف المدنيين صاروا وقودا لهذه الحرب، جميع القصص التي تسمعونها عن الكارثة الإنسانية في الموصل تختزلها نظرة واحدة في وجه أي ناج من المعارك. كانت الأحياء وكأنها مثل مريض خرج توًا من عملية جراحية كبرى لاستئصال ورم خبيث وما زال تحت تأثير المخدر.

 

 

 

لم أتضرر كثيرًا بسبب الحروب التي مرت على العراق، ولكن مشاركتي بتغطية معاناة النازحين وضحايا الحرب مع اللجنة الدولية خلال السنتين الماضيتين في محافظات الأنبار وصلاح الدين وآخرها الموصل كانت كافية لحدوث مرض صداع التوتر المزمن لي حيث رجح الأطباء أن يكون سببه تأثري بالمشاهد الصادمة المرعبة التي كنتُ أراها يوميا !

 

انتهت الحرب .. وبقيت مآسيها حاضرة بشدة في نفوس  الكثيرين وفي أماكن عديدة، ليكن الله في عون الجميع، حيث أن رؤية أجزاء منها ما زال يداهمني ككوابيس ليلية تحت عنوان معارك الموصل ... فكيف بالذي عاش المآساة وحضرها وشهد هلاك عائلته وأهله. لا يوجد أفظع وأقبح من الحروب.

 

 

 

للمزيد مع هذا الرابط :

 

http://info.icrc.org/ar/iraq-back-to-life

 




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45