ثقافة وفنون

اليابان بعيون عراقية ..

   
20 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   08/10/2017 7:35 مساءا

حسام الدين الانصاري

من مظاهر الأخلاق السامية والاعتداد بالنفس واحترام الذات هو شعور الانسان ومعرفته بحدود الاستحقاق الذي يحصل عليه لقاء عمله وجهوده وسلوكه ، ويزداد فخراً عندما يجد نفسه إنساناً منتجاً يقدم نتائج عمله والخدمة المطلوبة منه بالشكل الصحيح ، ويتقاضى عنهما ما يستحقه من أجر عن عمله البدني أو الفكري . وأنه لا يأخذ ما لا يستحقه أو يتطلع للحصول على ما يزيد عن استحقاقه بدون مبرر.

بل تتحدد الأجور والأسعار في عمليات التعامل التجاري عند البيع والشراء أو تقديم الخدمات بناءً على المنفعة والاستحقاق المتبادل بين أطراف التعامل وما يتقاضاه كلٌ من طرفي التعامل من حقوق جراء ذلك .

وعند ذاك ، فإن كل ما يتجاوز الاستحقاق يعتبر عطاءً إضافياً غير مبرّر، ويدخل في مفهوم الاكرامية أو البقشيش، وهي مسألة لا أساس لها، وإنما هي بدعة القصد منها هو الكسب على حساب الزبون، حيث تضاف أجور الخدمات الى قائمة الخدمة كما هو متعارف عليه، وإن ما يدفع إضافة على ذلك بمفهوم (البقشيش ) لا مبرر له.

وليس من الغريب القول بأن الاكرامية في حالات عديدة تفوق مبالغها أضعاف أجور القائمين بالخدمة مئات المرات .. وكمثال واحد من بين مئات الأمثلة ما يحصل مع عامل محطة تعبئة وقود السيارات الذي يتعامل مع الالاف من أصحاب المركبات يومياً الذين يقدم بعضهم (البقشيش) طوعاً، وفي الغالب يكونوا مكرهين على ذلك بسبب النقص في المبالغ المسترجعة لصاحب المركبة لعدم وجود العملات الصغيرة لسد الحساب بالكامل.

والأكثر من ذلك حالات الاتفاق والمساومات بين بعض مسؤولي محطات الوقود وعمال التعبئة في اقتسام المبالغ التي تتجمع جراء ذلك ، بل ان البعض ممن يقومون بالأعمال العامة وتقديم الخدمات الرسمية أصبحوا يفرضون على الناس تقديم (البقشيش) بطريقة أو أخرى ، وأصبحوا لا يكتفون بالأجر أو الراتب الذي يتقاضونه من الجهة الرسمية التي يعملون فيها . وبالتالي فإن حالة الاكرامية (البدعة) فقدت شرعيتها ما دام القائم بالخدمة يتقاضى أجوره وفقاً لشروط العمل وتحولت في أغلب الأحيان الى نوع من الاستغلال والابتزاز الذي يخضع له متلقي الخدمة رغماً عنه تلافياً لما قد يواجهه من قصور مفتعل في تقديم الخدمة المطلوبة .

وفي اليابان … وفي صلة بموضوع الاكرامية والبقشيش فإنها مسألة لا وجود لها عندهم ، وإن الفرد الياباني خلال تعامله لا يتقبل الاكرامية ولا وجود لها في التقاليد والسلوكيات التي نشأ عليها ، وعلى الزائر الأجنبي لليابان أن لا يتفاجأ حين يقدم الاكرامية الى البائع في المتجر أو العامل في المطعم أو سائق التاكسي ولا يجد قبولاً لها من قبلهم.

وقد حصل معي شخصياً موقفاً بهذا الخصوص حينما دخلت أحد متاجر الألبسة الرجالية في طوكيو بهدف شراء بدلة رجالية كان نموذجها معروضاً في واجهة العرض، وبمجرد دخولي قوبلت بالترحاب وانحناءة الاحترام المعتادة من قبل العاملين ورددت لهم التحية بانحناءة الاحترام ، ثم طلبت البدلة فبادر أحدهم بأخذ القياسات وجلبها خلال دقائق، وعندما جرّبتها وجدت بأن أكمام الجاكيت طويلة بعض الشيء ، وسرعان ما أعلموني عندما لاحظوا ذلك بإمكانية إجراء التصليح المطلوب مع بيان الكلفة الاجمالية لقيمة البدلة وتصليح الأكمام وخلال ساعة واحدة ، وحين أبلغتهم موافقتي أشاروا عليّ بالجلوس داخل المحل وخلال أقل من ساعة أحضروا البدلة وكانت معمولة بشكل متقن ، وقاموا برزمها فدفعت لهم قيمة البدلة ، وأعاد لي (الكاشير) ما زاد عن النقد المدفوع .. فما كان مني إلاّ أن قدمت الى البائع الذي سلّمني البدلة مبلغاً على سبيل الاكرامية .

وهنا كانت المفاجأة .. حين بدى الاستغراب على وجوه الباعة الشباب الذين كانوا يقفون لأداء التحية التي اعتادوا عليها في توديع الزبائن حينما رأوا بأنني دفعت مبلغاً إضافياً وأخذوا يبتسمون فيما بينهم باستحياء وينظرون الى مبلغ الاكرامية باستغراب ، وبكل أدب مع انحناءة احترام عبّروا عن اعتذارهم بقبول هذا المبلغ الذي لم يجدوا تفسيراً له .. الأمر الذي وضعني في موقف حرج حيث لم يكن لدي علمٌ بموقفهم من الاكرامية ، وأصبحت لا أعرف ما اذا كان من المناسب أن استرجع المبلغ الذي لا ينسجم مع تقاليدهم وأسلوب عملهم وعدم اعتيادهم على قبول الإكرامية ، أو ربما عدم معرفتهم القصد من دفع هذا المبلغ لأنهم لم يواجهوا موقفاً مماثلاً . وبين أن

أواصل رغبتي في دفع الاكرامية التي أصبح من المألوف تقديمها في مختلف مناطق العالم .. عدا هذا الاستثناء السائد في اليابان الذي يجده السائح عند التعامل بها . هذا .. مع العلم بأن هذه السلوكيات التي يمارسها اليابانيون إنما هي جزء من الاخلاقيات والتقاليد التي يتحلى بها المجتمع ، وإن شعور الفرد الياباني الذي يقدم الخدمة نابع من قناعته بأنه يتقاضى أجره الذي يستحقه ، وإن ما يدفع له فوق ذلك يولد عنده الشعور بالخجل عندما لا يجد سبباً أو مبرراً لمنحه مبلغاً إضافياً .

ومن هنا يتبين الالتزام الأخلاقي والتأدب الذي يتصف به أي مجتمع يمتلك تراثاً من التقاليد والسلوكيات والقيم والعلاقات الاجتماعية المبنية على الاحترام واللياقة والتصرف السليم ، والتي يقف الشعب الياباني في المقدمة من هذه الشعوب.

م/ صحيفة الزمان




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45