آراء

منى عباس فضل ــ (المواد-العار) في البلدان العربية

   
50 مشاهدة   |   0 تقييم
تحديث   11/09/2017 7:22 مساءا

الأردن ليس وحده من اشتغل على منجز تشريعي كبير منتصراً فيه للمرأة ومحافظاً على حقوقها عبر إلغاء "المادة المشينة" في قانون العقوبات، فقد سبقه إلى ذلك دول أجنبية وعدد محدود من البلدان العربية كالمغرب ومصر وتونس ولبنان في إلغاء نصوص مشابهة من تشريعاتها وهناك من يعمل على إلغائها كالعراق.

في المغرب ألغيت المادة (475) عام 2014 من القانون الجنائي والتي تقضي بإعفاء المغتصب من الملاحقة القانونية في حال تزوج بالمغتصبة، صحيح أن الإلغاء جاء استجابة لمطالبات تراكمية للحركة النسائية، بيد أن الحادثة التي هزت المغرب بانتحار أمينة فيلالي التي تعرضت للاغتصاب في عمر 16 عاماً وأجبرت على الزواج من مغتصبها بموجب قرار قضائي، قد فرضت إلغاء المادة، كما تعتبر مصر من اوائل من ألغى المادة (85) عام 1937 والمادة (291) عام 1999 من قانون العقوبات، أما في تونس فقد أقر برلمانها منذ شهرين قانوناً يجرم العنف ضد النساء ويقدم الحماية لهن لا سيما واحصاءات 2010 كشفت بأن (47%) منهن يتعرضن للعنف الأسري.

يرى المختصون في الشؤون القانونية والحقوقية للمرأة، بأن هذه الإنجازات تكشف الغطاء عن واقع ظلم المرأة العربية والإجحاف بحقوقها والتمييز ضدها في قوانين العقوبات التي تتسيد فيها السلطة الدينية والسياسية بذهنية ذكورية تحكم قبضتها قيود منظومة الثقافة السائدة والأعراف والقيم المجتمعية.

لقد احتدم النقاش خلال العقدين المنصرمين ولا يزال بشأن "مواد-العار" في قوانين العقوبات العربية، وأخذت نصيباً كبيراً من التداول وجهود الناشطين والناشطات وقوى المجتمع والحركات النسائية ممن قدن حملات مكثفة لتوعية المجتمع وللضغط على السلطات التشريعية لتغير مكامن الخلل، حتى باتت تتداخل مساحة السجال والمناقشات حول تعديل قوانين العقوبات بالأزمات السياسية والأوضاع الاقتصادية لأنظمة الحكم، بل وصارت جزأً لا يتجزأ من الأسئلة المزمنة العالقة دون إجابات شافية ولا حلول جذرية بشأن إنجاز الدولة المدنية وتحديث قوانينها وعلاقتها الملتبسة بالدين وبحقوق المرأة وتمكينها ومساواتها كمواطنة، وقد تباينت شدة وإلحاح هذه  السجالات لجهة جريمة الاغتصاب من مجتمع إلى آخر.

 

71 بالمئة نعم لإلغاء 308

في الأردن ألغى مجلس النواب الشهر الماضي المادة (308) من قانون العقوبات، وكنص قانوني كانت المادة تؤمن للمغتصب مخرجاً قانونياً للإفلات من عقوبة جريمة الاغتصاب بمجرد زواج المعتدي من ضحيته المعتدى عليها لنحو أربع سنوات.   

في هذا الصدد، تجدر الإشارة إلى مطالبات الحركة النسائية منذ سنوات بتعديل وإلغاء المادة ومشاركتها في تنفيذ الحملات، كذلك نشير إلى دراسة بحثية نفذتها جمعية "تضامن" الأردنية حول "الجرائم الجنسية ضد النساء-المادة (308) من قانون العقوبات الأردني نموذجاً"، وذلك للوقوف على التأثيرات القانونية والاجتماعية والنفسية والصحية الإيجابية منها والسلبية على النساء والفتيات والأسرة. استناداً إلى نتائجها شُكل تحالف مدني أردني ضم أكثر من (116) هيئة ومنظمة وجمعية ومئات الناشطين والناشطات لإلغاء المادة (308)، خلص بحثهم إلى أن (71%) من عينة الدراسة عبرت عن تأييدها لحملة إلغاء المادة، كما أثيرت العديد من التساؤلات حول مدى دستوريتها، حيث أن الأصل في التشريعات أن تطبق على جميع الأشخاص دون تمييز أو تفرقة، وهذه المادة تسمح بالتمييز بين الاشخاص في حالة تعدد الجناة أو تعدد المجني عليهن، كذلك عند اختلاف ديانة المعتدي أو كون المجني عليها متزوجة.  

ومع ذلك، فقد تفاوتت مواقف نواب البرلمان الأردني بشأن إسقاط المادة "بما تنص عليه من إسقاط العقوبة عن مرتكب الجنحة أو الجناية الجنسية الواردة في نص القانون، إذا تم عقد زواج صحيح بين المعتدي والمعتدي عليها، مشروطاً بحد أدنى لاستمرار هذا الزواج "3 سنوات للجنحة و5 سنوات للجناية"، إذ إنه وتبعاً لنص القانون، يمكن للمغتصب بعد أن تزوج من ضحيته أن يطلقها، وتسقط الملاحقة القضائية عنه.

حسب التقارير، سادت عملية التصويت على إلغاء المادة فوضى ووُجهت انتقادات حادة قيل أن سببها تصويت بعض النواب رغم عدم معرفتهم على ماذا يصوتون، وحيث طالب نشطاء منظمات المجتمع المدني وقوى سياسية وحزبية تقدمية بإلغاء المادة التي يجدون فيها مخرجاً للمعتدين وظلماً للمرأة والفتاة التي تتعرض للجريمة وتصبح لاحقاً مطلقة، وإن إتمام هذا الزواج سبباً لإسقاط الحق العام للمجتمع في معاقبة الجاني، فضلاً عن كونه شكلاني يأتي في حالة إذعان وإذلال واستجابة لابتزار المعتدي وأهله للضحية وعائلتها، كان هناك من يميل إلى إبقاء المادة وتعديلها بإتمام الزواج إذا كان هناك رضى من الضحية (إذا عمرها بين 15-18 عاماً) معللين ذلك بأن المجتمع عشائري ويفضل الستر على المعتدى عليها وعائلتها وتغليب المصلحة، ولهذا يجدون إن المادة (308) تمثل أيضا مخرجاً لإثبات نسب الطفل وتفادي ظاهرة الأمهات العازبات، هل هم على حق؟

لا أظن، عملياً الضحية توقف في مراكز الإيواء إذا كانت قاصراً، وفي مراكز الإصلاح والتأهيل بالسجن إذا كانت فوق سن الـ18 حتى يُبَتّ في القضية، فيما يطلق سراح المعتدي عليه بكفالة تنقذه من العقوبة، أما المفارقة الفاقعة والمؤسفة برزت في تصويت بعض النواب الرجال من كتلة الإصلاح (أخوان مسلمين) مع الإلغاء، فيما صوتت نساء من الكتلة ذاتها ضد الإلغاء.  

جدل بعد إلغاء 522 

في لبنان وتزامناً مع نشر جمعيات أهلية لبيانات إحصائية تكشف عن تصاعد نسب حالات الاغتصاب المبلغ عنها، وبعد نضالات ممتدة وكفاح خاضته المنظمات المدافعة عن حقوق النساء لإلغاء المادة (522) من قانون العقوبات اللبناني، صادق البرلمان مؤخراً على إلغاء المادة التي كان نصها يمنع تجريم المغتصب إذا تزوج من ضحيته بالإشارة "على أنه إذا عُقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى الجرائم الواردة في هذا الفصل (الاغتصاب - اغتصاب القاصر - فض بكّارة مع الوعد بالزواج - الحضّ على الفجور-التحرّش بطفلة - التعدّى الجنسي على شخص ذي نقص جسدي أو نفسي..)، وبين المعُتدّى عليها أوقفت الملاحقة وإذا كان صدر الحكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه"، إلا إن أوساطهم القانونية تشير إلى أن هذا الإلغاء سيُبقي باب الجدل مفتوحاً على مصراعية بسبب التداخل بين المحاكم الدينية والمحاكم المدنية -أي بين القوانين الشرعية والقوانين الوضعية- مما يخلق تناقضاً بين مفهوم العقوبة ومفهوم الستر، في ظل غياب قانون مدني موحد يعامل اللبنانيين في قضايا الزواج والطلاق والميراث وفق معايير موحدة.

نعم لإلغاء 353

أما في البحرين فمعلوم أن قانون العنف لا يجرم ممارسة العنف وإنما يحيل إلى باب العقوبات الذي ورد في المادة (17) "مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد في قانون العقوبات أو أي قانون آخر...إلخ". بمعنى أن هذا النصّ لا يوفر حماية للفتيات والنساء من جريمة الاغتصاب في المادة (353) من قانون العقوبات، وبالتالي هذا لا يتناسب وخصوصية الجريمة وآثارها على الضحايا، فنص المادة يشير إلى "لا يحكم، بعقوبة على من ارتكب أية جرائم هتك العرض أو الاغتصاب إذا عقد زواج صحيح بينه وبين المجني عليها، فإذا صدر عليه حكم نهائي يوقف تنفيذه وتنتهي آثاره الجنائية بمجرد إنجاز العقد"، ما يعني إمكانية لجوء الجاني إلى الزواج من الضحية للإفلات من العقوبة وتطليقها فيما بعد، وقد يكرّر جريمته على أخريات.

إضافة إلى ما سبق، غالباً ما يتعرض النشطاء في البلدان العربية أثناء قيادة حملاتهم لإلغاء أو تعديل القوانين التي تنتهك حقوق المرأة، إلى اتهامات بمحاولة استغلال الوضع وفرض أجندة خارجية مستوردة وتدميرية لكيان المرأة والأسرة، لا تتناسب وقيم وأخلاق المجتمع العربي والإسلامي، أو بإنهم يزايدون سياسياً على حكوماتهم أو لغاية أن تحقق المنظمات النسائية مساحات حقوقية أكبر للمرأة تساهم في علمنة المجتمع وتحديثه بما يتعارض والشريعة الإسلامية، بيد إن واقع الحال أن ضحايا الاغتصاب من الفتيات يتعرضن عند تطبيق مواد-العار في حال زواج الضحية من المجني، إلى إساءة نفسية وجسدية، الأمر الذي يقود إلى طلب الطلاق وسقوط أي ملاحقات قضائية للمعتدي المغتصب الذي قد يكرر فعلته.

من هنا، فأن إلغاء هذه المواد المشينة من قوانين العقوبات العربية يعني ما يعنيه من تجريم الاغتصاب الذي يستلزم عقوبات رادعة، وأحكاماً خاصة لوصف الجريمة وتحديد أركانها وأوصافها وحالاتها وطريقة التبليغ عنها وحماية الضحايا وملاحقة المرتكبين جزائياً.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45