تقارير وتحقيقات

أمل جبر. . بصيرة نالت شهادة الدكتواره في القانون بجدارة

   
48 مشاهدة   |   1 تقييم
تحديث   07/08/2017 9:37 صباحا

تحقيق ــ حيدر قاسم الحجامي*

في مدينةً أتعبتها الحروب ، وغير الفقرُ معالمها، حتى باتت خارطةُ أوجاعها  شاخصة  للعيان. في مدينة تُصنفها المنظماتُ الدولية المعنية بشؤون الثقافة والتعليم، بأنها واحدة من أكثر محافظات العراق، انتشاراً للأميةً بين سكانها، حيث تصلُ النسبة الى 40 بالمئة، وتكاد تتجاوزُ حاجز الـ60 بالمئة بين الإناث خصوصاً ، في الناصرية ثمة فتاةُ تصنع نموذجاً ناجحاً للحياة، وتتحدى هذه الظروف بقوة، على الرغم من فقدانها البصر منذ ولادتها، وتهزم كل هذا العسف الذي يطال النساء بمزيد من التطلع لصناعة غد أفضل للمرأة.

مهمة مستحيلة

"كانت المهمة تبدو مستحيلة"، تقول أمل جبر، طالبةُ الدكتواره في القانون، والتي لم تتخطى  نصف عقدها الثالث بعد، وهي تشير إلى بداياتها الصعبة.أمل، تصفُ مهمتها بالمستحيلة، ليس لإنتشار الأمية، وحرمان الإناث من التعليم، أو اتساع خارطة الفقر ولعنات الحرب في هذه المدينة فحسب، بل لأن ما كانت تخطط له، وتطمحُ فيه يبدو خيالياً، وتبدو تطلعاتها  مجرد " احلام يقظة"، فكيف لمدينة اخذت الحروب نسوتها عنوةً الى مقصلة الانتظار، وأجبرتهن على الاصطفاف في طوابير الهامش، إن تسمح لفتاة فقدت بصرها منذُ الولادة ان تكمل تعليمها الأولي، وتواصل تعليمها الجامعي، ثم تواصل مسيرتها العلمية فيما بعد الى ان تصل الى ما وصلت اليه الآن، وتطمح بالمزيد؟ في منافسة مع محيط يكاد ان يكون صلداً بوجه أي أمرأة عادية، فكيف بمثل ظروفها المعقدة.

صناعة أمل !

أمل جبر، تقول هي عن نفسها، انها كانت تصارعُ كل هذه الظروف القاسية، وتحاول ان تنتشل المرأة في مدينة الناصرية، من كل هذا الذي يحيط بها، من الشعور بالإحباط، الى ويلات الحرب، وانتشار الفقر، واتساع الحرمان، وانعدام الفرص، وان تصنع نموذجاً ناجحاً  يمكن ان يدفع الكثيرات، ممن أحاطت بهن  مثل هذه الظروف أو أقسى، كي يكتبن قصص نجاح أخرى، "لذا فأني وجدتُ نفسي أواصل السير حثيثاً، وأتحدى الصعاب، ولا أؤمن بالمستحيل إمام إرادة الإنسان وقدراته" تقول بجد.

اصرار على الحياة

تعود امل في حديثها  إلى بداية الحكاية، قائلةً "  كان اجتياز مرحلة البكالوريوس في القانون، يمثلُ لوحده تحدياً نظراً لظروفي الخاصة، والإعاقة التي كانت تعني حرماني من حقي في التعلم وصناعة مستقبل يليقُ بي وأتمنى إن اصلهُ، إلا إني كنتُ مصرةً ولا زلتُ في مواصلة مسيرتي العملية، ونيل شهادة الدكتوراه في القانون بعد ان نلتُ سابقاً شهادة الماجستير بجهد يشهد به الجميع من حولي، ولا أنسى ممن كان لهم الفضل في تشجيعي".

قصة الماجستير

في العام الدراسي 2013/2014 قُبلت امل في الدراسات العليا في جامعة ذي قار، لنيل شهادة الماجستير، وقد كانت ظروف الحرب مع داعش،  والتقشف الاقتصادي، قد أطبقت على مرافق الحياة برمتها، وأصبح الأفقُ مضبباً للغاية، بعيون من يبصرون، فكيف بأمل وهي التي تعتمدُ رؤاها المتطلعة للحياة والعلم فحسب!، تلك الصعوبات  كانت كفيلة ً ان  تخمد  جذوة التحدي في نفسها، وان  تجعلها تقبل بما نالتهُ من شهادة جامعية أولية، وتتفرغ لشؤون اسرتها، وهي المسؤولة عن تربية أربعة اطفال، والاهتمام بزوجها الذي يقفُ بكل ايمان وثقة خلف زوجته، الإ هذه الظروف الصعبة حافزاً اضافياً لدى أمل.

اول طالبة تنال الماجستير !

 حيث كانت أمل اول طالبة تنال شهادة الماجستير في كلية القانون بجامعة ذي قار، بعد افتتاح وحدة الدراسات العليا، كما يقول عميد الكلية الدكتور عمار تركي عطية الذي اشار حينها، الى ان "أمل تمكنت من نيل شهادة الماجستير وبدرجة جيداً جداً دون تعديل، عن رسالتها  الموسومة “قواعد المرافعات والاثبات في منازعات الضرائب المباشرة”، وهو عنوان صعب في البحث القانوني، وبحاجة الى جهد كبير، ومصادر كثيرة، الا انها تمكنت من انهاء البحث في فترة قياسية، وتمت مناقشتها من قبل لجنة علمية تألفت من عدد من الاكاديميين من مختلف الجامعات العراقية، وسط اعجاب الجميع وإشادته باجتهادها" .

وعن طريقة البحث والكتابة، تقول أمل انني " كنت اسجل المحاضرات والبحوث عن طريق " مسجل الكاسيت"، وتقوم أحدى الصديقات بتفريغه فيما بعد، واعيد عليها كتابة فصول البحث ومناقشته معها، والاستماع للمصادر وتسجيل اقتباسات ضرورية منها، وهكذا كنتُ أواصب على عملية البحث، وبشكل دقيق ومنظم حتى اكملت البحث وناقشته ".

رحلة الدكتوراه

بعد ان نالت شهادة الماجستير في القانون، لم تتوقف امل عن مسيرتها، بل عادت لتمارس عملها في كلية الادارة والاقتصاد في جامعة ذي قار، كتدريسية، وعينت اضافةً لذلك، مسؤولة عن الوحدة القانونية، حيث تتولى تنظيم الشؤون القانونية للكلية، والترافع عنها، و تمثيلها امام المحافل الرسمية، يقول أساتذة في كلية الادارة والاقتصاد تحدثوا عن أمل " تمارس امل نشاطها العلمي والمهني بشكل يثير الاعجاب، فهي تدريسية وتتولى مهام اضافية، ونراها دؤوبة فضلاً عن جديتها بالعمل الذي يمدنا بالكثير من النشاط والتفاؤل".

أمل الدؤوبة والمتطلعة، قُبلت هذا العام ضمن الطلبة المقبولين لنيل شهادة الدكتواره في القانون في جامعة كربلاء، بعد ان تمكنت من اجتياز الاختبارات اللازمة، ونشرت بعد نيل الماجستير بحثين علميين مُحكمين، واكملت عامين تقويميين في التدريس الأكاديمي.

يقول عبد الله جبر، هو شقيق أمل ان " أمل مثال للمرأة التي تتحدى الظروف الصعبة، ولا تستلم لأي ضغوط او مثبطات تحاول ثنيها عن مواصلة مسيرتها في الحياة، فهي الآن مسؤولة عن اطفالها الذين يكملون تعليمهم الابتدائي بنجاح، وايضاً لديها التزامات زوجية، وهي ايضاً أمرأة عاملة، وتواصل مسيرتها التعليمية باجتهاد وعزيمة ".

تحويل الإرادة الى فعل

فيما ترى الناشطة الحقوقية علياء فاضل، ان قصة أمل، تصلح ان تكون منهجاً لكل النساء في محافظات العراق، لاسيما الجنوبية، حيثُ النساء هنا يعانينَ من ويلات الحرب، وما تتركه من اثار عميقة على حياتهن، فذي قار  قدمت خلال الحرب الأخيرة أكثر من الفي شهيد واكثر من عشرة الاف جريح، بمعني ان ثمة آلاف من النسوة انضممن الى قائمة الأرامل والمهمشات، الا ان امل بهذا الإصرار والاجتهاد، تأتي لتكسر نمطية الصورة المستلبة عن النساء هنا، وتكتب قصة نجاح لم تتناولها الفضائيات ولم تركز عليها  الصحافة كثيراً .

وتضيف ان " امل وتحديها لفقدان البصر، وظروف الحياة الصعبة، تشير الى ان ثمة نساء كثيرات يملكن الإرادة والطموح، ولكنهن بحاجة الى من يحرك هذه الإرادة وينمي هذا الطموح كي يتحول الى فعل ومبادرة، واعتقد هنا يأتي دور الإعلام والمنظمات الحقوقية لاسيما تلك المعنية بالنساء وحقوقهن في العراق".

* التحقيق فائز بالجائزة الثالثة (مناصفة) لمسابقة عراقيات الصحفية 

 

 




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45