تقارير وتحقيقات

المرأة الموصلية .. تحديات وإصرار لتحقيق السلام

   
43 مشاهدة   |   1 تقييم
تحديث   06/08/2017 11:14 صباحا

تحقيق ــ سهى عودة*

في زاوية غرفتها المرتبة، تحشر جسدها؛ بعيداعن زجاج النافذة، تحسبا من تناثر أية شظايا، يرافقها زوج من (طيور الحب)، أصواتهما الناعمة لا تغطي دوي الصواريخ. قرب بيتها في مدينة الموصل، وسط اشتداد الاشتباكات المسلحة، ما بين القوات العراقية وعناصر تنظيم (داعش). فيما بعد قالت رؤى مهندسة حاسبات، إنها قضت الساعات العشر الأخيرة، قبل تحرير منطقتها، في الجانب الشرقي من المدينة، في تعلم لغة برمجية جديدة، بعد أن كانت قد أتقنت عشر لغات غيرها، طوال سنوات سيطرة التنظيم، ومنعه النساء عن العمل.

بين التشدد الديني والأعراف المجتمعية

بعد عودة الحياة إلى حد كبير في مناطق الجانب الشرقي من مدينة الموصل، الذي أعلنت القوات العراقية إكمال تحريره في كانون الثاني (يناير) الماضي، تعالت أصوات الاعتراض والرفض في الشارع الموصلي على ملبس النساء،  وظهورهن في المناطق التجارية والأسواق، بعد نزع غالبيتهن النقاب والجلابيب السود. وتباينت الآراء بين أن الملبس هو "حرية شخصية"، ليذهب الرأي الآخر إلى جانب أبعد، واصفا أن ما يحدث في الشوارع العامة هو "إنفلات أخلاقي لمرحلة ما بعد داعش".

يقول عمار وهو صاحب محل للألبسة النسائية في منطقة الزهور: "لماذا التضييق على حريات الناس؟ نحن اليوم نتصرف مثل عناصر الحسبة وداعش"، أما محمد الذي كان مستندا بجسده على زاوية جدارية في سوق (النبي يونس)، فيقول: "لم الاعتراض؟ أنا أراها فرصة لنمتع نظرنا بالجمال"، قالها ثم أطلق ضحكة في الهواء. وبين لي أنه يأتي للأسواق "لتضييع الوقت، بدل الجلوس في البيت بلا عمل". بينما سجى الطالبة الجامعية، ترى الموضوع من زاوية أخرى: "لا يوجد شيء اسمه حرية الملبس للمرأة أو الرجل، يجب أن يكون هناك لباس شرعي، وهو الجلباب، ومخافة الله هي الأهم أخيرا".

منذ تنامي الجهات (الإسلامية المتشددة) في مركز المدينة، بعد العام2006، مرورا بما قبل أحداث حزيران 2014، لاحظ الموصليون أن أعداد المنقبات في الشوارع العامة والمدارس والجامعات آخذ بالارتفاع بشكل لافت جدا، بالمقارنة مع حقبة التسعينيات؛ حيث كان هناك عدد محدود من المنقبات، اللواتي ينتمين إلى عائلات معينة.

وتشرح سلمى كيف أخبر عنصر الأمن زوجها، بينما كانت برفقته، أن عناصر التنظيم يستخدمون النقاب لتنفيذ الاغتيالات في المدينة، وأنه يجلب "الشبهة" لمن ترتديه. وتقول: "ما كان مني إلا أن خلعته فورا، وعدت إلى البيت بلا نقاب". وتضيف بصوت يملؤه الشجن: "أنا حزينة لخلعي النقاب لأنني ملتزمة دينيا، لكنني لا أريد أن يتكرر الموقف المحرج مع عناصر الأمن". وبالنسبة إلى ليلى التي خلعت النقاب فور استعادة القوات العراقية السيطرة على الموصل، فتقول "إصرار النساء على ارتدائه بعد كل ما حدث، أراه تصرفا سخيفا". ويقول فيصل جبر (أستاذ جامعي) إن: " البروباغاندا القوية لـ(داعش)، أوحت للموصليين أن الحجاب المتعارف عليه غير كاف للالتزام الديني والأخلاقي، ولا بد من الاستعاضة عنه بالنقاب" ويضيف: "أصبح النقاب غير مرتبط بفترة تواجد (داعش)، وإنما بات عرفا اجتماعيا، مرتبطاً بشرف العائلة والحشمة، أكثر من كونه التزاما دينيا".

منظومة (داعش) الأخلاقية مستمرة

تواجد ما يسمى (تنظيم الدولة الإسلامية) لأكثر من سنتين، أدى إلى خلق منظومة أخلاقية خاصة به في المجتمع الموصلي،  ونجح بإدخال تعاملات جديدة على سلوكيات الفرد هناك، ابتداء من المفردات التي ما زالت متداولة حتى اليوم في البيت والشارع، وفي التبادلات التجارية بالأسواق، مثل مفردة (أختي)، التي تطلق على النساء والفتيات بكثرة، وكلمة (حجي) التي ينادى بها كل الرجال؛ سواء الكبار في السن ومن هم بعمر الشباب أيضا. وأصبحت هذه المفردات قاموسا جديدا، يستعاض بها بدل الأسماء والألقاب الرسمية، التي كانت مستخدمة قبل العام 2014.

ويؤكد بعض السكان من الموصل، أن المدينة اليوم تشهد تزايدا ملحوظا لحالات التحرش الجنسي في الأسواق العامة، وقرب مدارس الفتيات، في تغيير يراه البعض متوقعا، بعد ارتفاع نسبة الفقر وتزايد أعداد العاطلين عن العمل، وإنهيار نظام التعليم، فقد "بات الفراغ يشكل نسبة كبيرة من وقت الشباب، ذكورا وإناثا في المدينة"، على حد قول البعض منهم. وكانت نسبة الفقر في محافظة نينوى قد وصلت إلى 34 بالمئة حسب الجهاز المركزي للإحصاء في المحافظة للعام 2014، في حين بلغت نسبة النساء العا ملات 8.4 بالمئة فقط خلال العام 2011.

عدم الشعور بالأمان وثقافة "العيب"

يكمل فيصل حديثه: "لا نرى الكثير من النساء في شوارع الموصل اليوم، فالمحددات التي وضعها التنظيم لثلاث سنوات، جعلت الكثيرات لا يشعرن بالأمان خارج البيت، حتى هذه اللحظة".

النزوح من المدينة أتاح فرصا كثيرة للمرأة الموصلية، للانخراط في نشاطات المجتمع المدني والاعلام ، هذه المجالات كانت تشكل لها تهديدا بالقتل أو الخطف من قبل (داعش) أو تشويها للسمعة من قبل مجتمعها. وهذا يدفع بالكثيرات إلى عدم العودة إلى الموصل، والاستقرار في مناطق النزوح. تقول ميس عبد الله (ناشطة مدنية)، تعيش في أربيل منذ ثلاث سنوات: "المجتمع كان عائقي الأهم في الموصل، عملت بالسر وباسم مستعار، برغم أن عملي كان إغاثة الفقراء" وأضافت: "أخبرني أحدهم مرة، أن سمعتي مهددة والناس تحدثت عني بسوء، لأنني أعمل ناشطة مدنية". برغم هذا؛ ترى ميس أن "سوء الأوضاع الأمنية، وكثرة العسكر في المدينة"، يشكلان السبب الأكبر في منعها من العودة لمدينتها؛ فيما لو أرادت ذلك.

وبالعودة إلى رؤى (30 عاماً)، التي نجت من الحرب، وتمتلك الآن شركتها الخاصة بالتصاميم والترويج الإعلاني، مشروعها الذي كان حلما أعدت له طوال فترة سيطرة التنظيم تقول: "بعد التحرير، اعتقدت أن الناس ستتغير، لكن ثقافة العيب ما زالت موجودة، وتحاصر النساء بقوة". وشرحت رؤى، كيف أن التفكير في أمور عديدة، مثل اختيارها لملابس ذات ألوان محتشمة، و"العيب" في تواجدها مع زميلها بمكان واحد وسط الأقاويل، إضافة لتحديد وقت الخروج والدخول للمنزل، كلها أمور تستهلك الكثير من جهدها الذي يفترض أن ينصب في تخطيطها لإنجاح العمل.

 تزفر نفسا طويلا، وتختم حديثها معي: "أتمنى لو أنني خلقت ذكرا، بالتأكيد فرصي ستكون أكبر، وسأسافر خارج الموصل لأحقق طموحي؛ دون حاجتي المستمرة لوجود محرم".

معاناة مخيفة ومهملة

صعوبة الأندماج في المجتمع من جديد، هو أكبر ما تعانيه النساء اليوم، خاصة ممن تعرضن لتجربة النزوح والعيش في المخيمات، أو اللواتي يعشن تجربة فقدان أفراد العائلة أو المعيل؛ إثر الحرب التي وصلت ذروتها، وما تزال مستمرة في مناطق الجانب الغربي (الأيمن) من مدينة الموصل. وبينت آخر الإحصاءات التابعة لمنظمة (المفوضية السامية لشؤون اللاجئين) أن أعداد النازحين منذ بدء العمليات العسكرية في الموصل، وصل إلى (368,706) أشخاص. وبعد أن تم تدقيق (128,781) شخصا، تبين أن 50 بالمئة من العدد هن نساء وفتيات. وفي إحصائية غير دقيقة للمنظمة، كشفت أن هناك (1859) عائلة، ترأسها نساء نازحات من محافظة نينوى.

قالت سيدة موصلية تسكن مخيم (حمام العليل)، إن ابنتها البالغة (40) عاما، فقدت زوجها خلال العمليات المسلحة: "إبنتي لم تخرج من المنزل أبدا طوال فترة تواجد (داعش) في الموصل". واليوم بعد مقتل زوجها، ما تزال الإبنة ترفض الاختلاط بالناس، والعودة لعملها ولحياتها السابقة. ولا توجد حتى الآن إحصائية فعلية دقيقة، تكشف عن أعداد الأرامل في محافظة نينوى.

الأرامل؛ ممن التقيت ببعض منهن داخل مدينة الموصل، أوضاعهن لا تختلف عن مثيلاتهن في المخيمات، شابات لم يتجاوزن العقد الثلاثيني، أغلبهن كن قد تزوجن وهن قاصرات، تعليمهن متواضع ، ولا خبرة في أي مجال للعمل. لديهن ذات المخاوف من المجهول، وعدم قدرتهن على إعالة أطفالهن؛ هو أكثر ما يصيبهن بالحزن والضعف، وسط دور ضعيف للمؤسسات الحكومية الاجتماعية، وتفاعل مخجل من قبل مجلس محافظة نينوى.

* التحقيق الفائز بالجائزة الثانية ( مناصفة) لمسابقة "عراقيات" الصحفية

 




Copyright © 2016 www.iraqiyat.com. All rights reserved
3:45