جريئة أم اضحوكة؟

جريئة أم اضحوكة؟

ان اكثر ما يخيف زميلاتي – المعلمات - هو دورهن في القاء كلمة يوم الخميس، وذلك لاصابتهن بحالة من الخجل الشديد. في الأخير، قررت المديرة الغاء تلك الفقرة وتفويض معلمة "جريئة" واحدة فقط تقوم بتقديم برنامج الاصطفاف الصباحي عند زيارة مشرف او مسؤول.

بالنسبة لي، كنت اقوم بإلقاء قصائد وخطب في أيام الاصطفاف الصباحي كل خميس منذ الابتدائية وحتى زمن دراستي في المعهد. وكان هذا لسبب واحد، ان تذهب مني حالة الارتباك والارتجاف أمام الجمهور! وما زلت احاول! فانا اشترك في كل مهرجان شعري استطيع الذهاب اليه وأحمد الله عندما اجد منصة القاء، لانها تخفي يدي وقدمي التي تبدأ بالارتجاف مع أول احساسي بأن احدا يراقبني وينصت لي!

باتت تلك مشكلة تؤرق مضجعي. ورغم اني لم افشل كثيراً في حياتي، انما الثقة بالنفس هي ما ينقصني. وكم من مرة عُنفت من قبل استاذي ومدربي لاني اتكلم بسرعة، مما يجعل فهم القصيدة مبهما وغير مفهوم،  فبسبب خجلي اسرع في الكلام لانهي قبل ان يغمى علي من الخجل!

بعد ذلك، صرت اسأل كل الشعراء المشهورين الذين التقي بهم  عن هذه الحالة. بعضهم قال لي : "انها مجرد بداية وستزول" والبعض الاخر قال: "فكري انك افضل من الباقين واذكى، عندها سيختفي ذلك الارباك."

في احدى المرات، كنت احضر درسا تدريبيا في علم نفس الطفل، فكلمت الطبيب المحاضر على انفراد فيما يخص مشكلتي، فأخبرني ان سببها هي كثرة قول كلمة "عيب" لي وانا طفلة، وأن التخلص من شئ تعرضنا له في الطفولة صعب جداً و بطيئ التغيير.

لفترة اعتقدت اني تربيت على تقاليد قديمة اكل عليها الدهر وشرب، الى ان بدأنا بعمل مسرحيات للمدرسة، بالاضافة الى نشاطات خياطة في المنتدى الشبابي ومسابقات الخطابة للاطفال والكشافة، وغيرها من الفعاليات التي تستلزم خروج التلميذات الى خارج المدرسة، او الالقاء امام الباقين. وكلما اخترت تلميذة مناسبة، سواء بالشكل او الصوت او الموهبة  للاضطلاع بهذه المهمة، جاءتني في اليوم التالي باكية، معتذرة بان أهلها رفضوا اشتراكها بأي نشاط خارج جدران المدرسة او حتى داخلها، بحجة ان ذلك يؤثر على دراستها.

قابلت اولياء امور التلميذات لتغيير وجهات نظرهم، كما كنت اقول للبنات في طابور الصباح، ان النجاح في الحياة لا يعني النتيجة التي يتم تحصيلها في المدرسة، وان اكتساب المعلومات لا يعتبر هدف التعليم، انها فقط خطوة في بداية الطريق، حتى نكمل التعليم باقي حياتنا ولوحدنا. احياناً، انجح في التأثير عليهن وأربح القضية بأن اجعل طفلة تستغل جرأتها في اظهار موهبتها في التمثيل او الغناء، واحياناً افشل، وذلك دوماً بسبب الاهل! حتى لو كانت الطفلة تتميز بالجرأة والصلابة، فعائلتها تعمل على قتل تلك الموهبة في داخلها، لتصبح هشة وخائفة.

هناك قلة قليلة من الاهالي تقول لي : "ان ابنتي هي ابنتك، وانا اثق بك. أريدها ان تصبح قوية وذات شأن في المستقبل"!  بعض الاهالي - من الطبقة المثقفة - لا يستطيعون منع بناتهم من عيش حياتهن، رغم خوفهم المرضي عليهن، نتيجة الوضع الامني السيء الذي يمر به العراق، فيأخذوهن الى كل معرض او مسرحية، حتى تتكون عندهن شخصية قوية في المستقبل.

العالم يبحث الآن عن المواهب، لا عن الشهادات، فالعلماء يكتشفون الآت تعمل مكان البشر بصورة ادق وبدون كلل او أخطاء، لكن الالة لا تبدع، ولا تكتشف اشياء جديدة، وافعالها متكررة. لذلك فالعالم دوماً يبحث عن من يجدد في الحياة ويعطيها طعما مختلفاً، كالفنان والشاعر والمطرب.   من يبحث لابنته عن شهادة كي تتوظف ويحرمها من ممارسة هواياتها في الالقاء والتمثيل هو في الحقيقة يربي انسانة مهزوزة بل اضحوكة، سيحرمها من تبوء مركز تستحقه – علميا و عقلياً - لكنها لن تحصل عليه لضعف في شخصيتها. في حين، يمكن ان ينشئ مديرة ومهندسة وحتى وزيرة!

 لا يخفى على الجميع أن الباكستانية مالالا حازت على جائزة نوبل للسلام وهي في عمر 17 سنة، وقد تعتبر طفلة في بعض المجتمعات. وهي بالفعل اصغر شخص حصل على نوبل، وقد حازت على تلك الجائزة بسبب شجاعتها في الدفاع عن حق الفتيات الصغيرات في التعليم.

اذن الكرة في ملعب اولياء الامور، هل يريدون ان تصبح بناتهن قياديات جريئات، او مجرد اضحوكة؟

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات