تجاعيد

تجاعيد

سألتني معلمة زميلة لي ستتقاعد بعد سنة: "لماذا تتجعد وجوهنا؟" فأجبتها بدون تفكير: " تلك التجاعيد هي من نعم الله علينا لأن العضلات تكبر في العمر ايضاً ولا تستطيع شد الوجه والجلد كما في السابق، فيترهل الجلد ليسهل علينا الابتسام والكلام والاكل وباقي الحركات". ربما كانت تلك احدى التفاسيرات العلمية، لكني كل يوم اكتشف للتجاعيد مزايا جديدة رغم ان الرجل يعتبرها عيوبا عند المرأة، مما يجعلها تحاول ان تتخلص منها!

بتركيزي في ملامح اختي الكبيرة وتجاعيد وجهها تعلمت الكثير. فهمت أن تلك التجاعيد ليست نتيجة لكبر السن فقط، بل انها نتيجة لمواقف عديدة في الحياة. كل خط كان مرسوماً ليترك اثراً عميقا وأختي واحدة من النساء اللواتي تعلمن كيف يخضعن وينحنين( لتمشي السفينة) كما يقال في العامية.

ان تلك التجاعيد التي تدل على غضب أو حزن أو ألم لا تزول مع زوال الموقف المسببة لها. لماذا؟ لانها استمرت فترة طويلة جداً لدرجة انها اصبحت جزءا من الملامح، كالحاجب والشامة !

بعض تلك التجاعيد ظهرت لان الانسان تحمل ما يفوق طاقته. بالضبط كالتجاعيد التي تظهر على وجه رافع الاثقال، او متسلق الجبال ! او السائر على جمر !

انها ملامح المشاكل التي تحملتها المرأة في صمت أو آلام الولادة أو ليالي السهر مع الطفل المريض أوانتظار الزوج الغائب. انها لحظات القلق مع سماع صوت انفجار خارج البيت وموت احد الأحبة، او تحمل المرض كي تنجزاعمال المنزل ليجد كل فرد في اسرتها ملابس نظيفة وطعاماً عندما يعود من خارج البيت.

في المناسبات يمزح كبار السن من الرجال، حين يطلبون الدعاء لهم بالزواج من جديد عوض الدعاء لهم بالحج مثلاً. يريدون زوجة صغيرة في السن بعد ان ملأت التجاعيد وجوه نسائهم الحاليات. لكنهم  ينسون ان الرجل ايضاً يكبر وكلما زاد عمره قلت قدرته على تحمل ما هو جديد. زوجة جديدة وشابة يعني ان يعيد تربيتها على اسلوب حياته وكيفية التعامل معه وهذا ليس بالامر اليسير. والدليل هو فشل معظم الزيجات بين رجل كبير في سن وفتاة شابة، فالرجل يكره تجاعيد زوجته العجوز والزوجة الصغيرة تكره تجاعيد روح ذلك الزوج، لأن أفكاره ومطالبه ستخنقها، بسبب اختلاف الاجيال والازمنة.

لذلك، فتلك التجاعيد في وجه زوجته هي نعمة يجب ان يحمد الله عليها. ومثلما قلت سابقا،ً إن منشأها هو تحمل ما لا يطاق، والمرور بتجارب عصيبة اجتازتها المرأة مع الزوج بصبر ونجاح.

على المرأة ان تحترم تلك التجاعيد ولا تخجل منها لأنها اوسمة شجاعة وانتصار على مصاعب الحياة، كما انها جميلة ومناسبة لعمرها، فلكل عمر جماله الخاص، ومحاولة ازالتها تزيد الامر سوءاً، فلا داعي لإخفائها. وكما كنت فتاة جميلة، فستصبحين أماً جميلة، وجدة جميلة أيضاً.

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات