البائعات المتجولات من يساعدهن؟

البائعات المتجولات من يساعدهن؟

مهمة البحث عن بائعة متجولة سهلة، ولكن من الصعب ان تجعلها تتكلم عن حالها ومشاكلها، هي مشغولة بكسب بضعة الاف من الدنانير ولو تكلمت معك فقد يذهب الزبون الى بائعة اخرى!

صغيرات السن تختفين من السوق بعد أسابيع ولا يمكن التكهن بمصيرهن، أما الكبيرات في السن واللواتي تجاوزن الخمسين هن اكثر من ستراهن في الاسواق الشعبية، فهن قد بلغن من العمر عتياً ، ولن يتحرش بهن احد!

تروي احدى البائعات عن حالة تحرش تعرضت لها : " في الثمانينات كنت شابة ابيع السجائر على الجسر، جاء رجل أفندي – أي يرتدي بدلة و ليس لبساً شعبياً – و قال لي: انه تاجر وسيساعدني، ولديه محل ملئ بالسجائر وعندما ذهبت معه، ادخلني الى محل فارغ وحاول الاعتداء علي. توسلت به كوني متزوجة ولدي اطفال، دون جدوى، الى ان عضضته من خاصرته، فتركني و هربت! انتقاماً منه، رحت أسأل عنه وعرفت عنوانه ونقلت ذلك إلى زوجته، وهي صدقتني لانها رأت اثر العضة في جنبه!"

كن غضات و شابات عندما دخلن معترك الحياة  فتعلمن من قسوتها. الملامح التي رسمت على وجوه كبيرات السن من البائعات  تعبر عن ايام  عوز وفقر، وحرب من اجل المكان...

البائعة أم سعد هي زوجة فلاح، غلبه العمر فتنازل عن الأرض التي كان يستغلها وأعادها  الى صاحبها. أرهقه كبر السن، فجلس في البيت، واعتمد عليها في توفير لقمة العيش. هي لا ترى انها تضحي، بل تجد في ذلك دعما لزوجها في أيام هرمه. وبحسب ما فهمته منها، هي تعمل في هذا المجال منذ عشرين عاماً، ولا تفكر في تغيير مهنتها، فهي تجني في اليوم الفين او ثلاثة الاف دينار عراقي  تكفيها لقوت يومها، وتوفر منها ألفاً لتطبخ لوجه الله في المناسبات الدينية!

اذهلتني تلك السيدة بقناعتها ورضاها. لم تشتم حكومة ولم تطالب بحصتها من النفط، في حين ان غيرها، ممن تكون رواتبهم مليون ومليوني دينار عراقي لا ينفكون يشتكون من أنها لا تكفيهم.

زميلتها في المهنة الحاجة أم علي تقول : " انا اعمل لاني لا احب ان اقضي وقت فراغي في المنزل انتظر الموت، زوجي متوفي و أنا أتقاضى راتبه التقاعدي لكني تعودت ان آتي الى السوق يومياً، لاشعر اني على قيد الحياة وبين الناس  قبل أن تقتلني الوحدة! "

بعض العجائز يدفعن لقاء جلوسهن امام محل وتوفير الحماية لهن من قبل البلدية او "بلطجي" السوق، ألف دينار في اليوم. قد يبدو المبلغ  تافها، لكنه يعادل نصف ما تجنيه تلك البائعة المسكينة !

تلك الطبقة من النساء مهمشات، لا تلقى عناية سوى من مصوري القنوات التلفزية، ممن يبحثون عن ما تبقى من تراث في سوق قديم.

في الواقع، تلك الطبقة تحتاج لاهتمام خاص من طرف الجمعيات الانسانية ومن طرف الحكومة لأنها طبقة مجهولة ومعدمة.

 بالله عليكم كيف يكفي ألف دينار يومياً للعيش؟ هل يكفي للذهاب الى طبيب؟ هل يكفي ان تشتري لنفسها لباسا للشتاء أو للصيف؟ من يحميهن ممن يفرض مبالغ للحمايتهن او لتأمين عدم سرقتهن ؟ هن بحاجة الى ممثل عنهن يدافع عن حقوقهن،  فأكيد ألف دينار باليوم لا تكفي اجور محامي عراقي  يقدر أجره الان بمليون دينار للقضية الواحدة !

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات