سيدات اعمال

سيدات اعمال

منذ فترة وانا اقلب مجلات عراقية قديمة، رأيت مجموعة من رسوم الكاريكاتير حول الدلالة الشهيرة "أم ستوري"، وهي تحمل "البقجة" (شدة الملابس على رأسها)، ومرتدية عباءة وشيلة شعبية. كل صورة كانت تسخر وتحتقر تلك السيدة، بينما شبيهاتها اللواتي مارسن بيع الفساتين والحاجيات المنزلية في الثمانينات وما قبلها لم يفعلن ذلك من أجل جمع المال فقط، كما يفعل تجار الحروب والازمات، إنما هي غالباً ما تكون أرملة او مطلقة (ولديها اولاد) او سيدة بدون معيل، تمتهن هذا العمل من اجل كسب لقمة العيش بستر وكرامة. وهي تحل أزمة السيدات المغضوب عليهن من قبل اخوة أو ازواج يمنعونهن من الخروج.

لكن هل رحمها المجتمع؟ هل فكر في حاجتها؟ انه دائما يشتم ويتهم بالرذيلة كل أمرأة عاملة. شعب لا يرحم من تخرج طويلاً او تتجول في الاسواق يوميا.

الازمة العراقية التي نمر بها الآن وتبعاتها من غياب الرجل عن البيت واعتماد الاسرة على الاناث في الاعالة، اجبرت الام والاخت والابنة على فتح محلات في بيوتهن او ممارسة أعمال يدوية داخلها.

أم ورود، سيدة رقيقة وجميلة، لو رأيتها في الشارع لخمنت ان لديها خادمة! هي أم لـ 4 بنات، سافر زوجها الى الاردن (ويقال انه سافر هرباً منها لانها لم تنجب له الذكور) يبعث لها مئة دولار في الشهر، لا تكفي مصروفا لأصغر بناتها. زبوناتها معظمهن من الطبقة الراقية، طبيبات وأستاذات  في الجامعة.  يقلن أن بيتها لامع من شدة النظافة وأنك لو شاهدت معجناتها لقلت في نفسك ان كل قطعة صنعتها سيدة محترفة، لكثرة ما سويت بجودة و اتقان.

تلك الام لم تمد يدها وتشحذ، لم تهدد الزوج بالطلاق ليرفع المصروف، لم ترفع دعوة نفقة في المحكمة، ولم تفتعل مشاكل مع أهل الزوج لاعالة أربع اناث (عورات) في بيت بدون رجل، لم تذهب الى مؤسسات الدولة لتحتج. هي تعذر زوجها المسافر وتشعر بالمسؤولية بما انها نصف البيت. ولانها تحترم نفسها ولم تذلها بالاستعطاء او الديون، احترمها المجتمع الذي لا يحترم  في العادة المرأة العاملة ويستهجن من دخول احد غريب للمنزل، حتى لو كانت إمرأة!

هناء أم أيضاً  لأربعة أطفال، خريجة علم نفس. مثل أي فتاة شابة – قبل الزواج – كانت تتكاسل للقيام بأمور المطبخ. اصبحت اليوم تطبخ ثلاثين كيلو لحم يوميا لعمل الكبة العراقية! تقول: "طالما أن هناك اجر مادي لعملي فهذا يعطيني الدافع لكي انجز بسرعة وبإتقان".

جارتنا ام زينب كانت موظفة في برج المأمون للاتصالات، اضطرت لترك الوظيفة بسبب ضغط اهل الزوج، وعندما مر زوجها بأزمة مالية، عملت كخبازة وفتحت في بيتها محلا صغيرا ليكسب زوجها الذي كاد ان يطلقها بسبب ضغط اهله عليه لانها لا تنجب سوى البنات. هو الان يملك سيارة وبيتا جميلا بفضل عملها هي!

هن سيدات اعمال رغم انهن لا يعين ذلك، يخجلن معظم الوقت من طلب مستحقاتهن من الزبائن، يعشن في مدن ضيقة تكاد تخنقهن وتخنق طموحهن!

نحن لا نريد سيدات مجبرات على العمل. نعم المال هو دافع في البداية للشغل، انما  كون المرأة تعتمد على نفسها في اعالة الاسرة او المساعدة في المصاريف ذلك يقوي من شخصيتها، يرسم لها اطار احترام خاص، يشعرها بأنها فرد مساوي للرجل في الحقوق والواجبات، ولا يخفى علينا ما فعلته السيدات في الغرب اوقات الحروب مثل نساء المانيا، عندما أصبح المجتمع بدون رجال، فما كان عليهن الا تنظيف الشوارع من الدمار والتخريب، وتقطيع الدبابات العاطلة وبيع الحديد وانشاء مشاريع اعادت لألمانيا هيبتها التي تفتخر بها الى الان.

نريد إمرأة تحول العراق الى المانيا، الى دولة عظمى، نريد سيدات اعمال ينهضن بالاقتصاد العراقي، بالمجتمع ككل، إمرأة أقل ما يقال عنها أنها ليست نصف المجتمع بل كل المجتمع.

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات