الكاتبة والحياة السرية

الكاتبة والحياة السرية

جلدي يقشعر كلما تذكرت قصة الشاعرة ميثاق الركابي بعد ان كُشِفت حياتها السرية كشاعرة على الانترنت، مما دفع اخاها المتزمت الى ضربها ضربا مبرحا وحرمانها من كل وسائل الاتصال!

كُتِبت عن ميثاق مقالات عديدة. كان الجميع يقف معها ويحاول مساعدتها، رغم اني قرأت عن شخص قال انها تبالغ من اجل الشهرة!

أن تكتب عن حالة هو اسهل بكثير من ان تعيشها حرفياً، وانا اقول ان ميثاق الركابي كانت تعيش رعباً  يومياً مغلفاً بإصرار، ورغم ما آلت اليه الامور،هي الان ليست نادمة.

صحيح ان اخوتي ليسوا بذلك العنف او التخلف اللذان يتميز بهما اخو ميثاق، انما قد تكون نظرتهم  قاسية جدا لي عندما يكتشفون اني اكتب وانشر في السر لأنهم أعطوني ثقتهم، كي احبهم وكي يكونوا الرجال الوحيدين الذين اكتب عنهم – بالاضافة لابي بالطبع-  فخنت تلك الثقة -حسب اعتقادهم - لاكتب عن رجل احلم به او تعرفت اليه، وربما التقيته مرة دون ان يعلموا بذلك!

تلك المخاوف تكبلني، تجعلني التفت ورائي في اليوم عشرين مرة واحافظ على ممتلكاتي الخاصة من هاتف محمول وحاسوب ومذكرات حتى الاستقتال ! كأنه مرض نفسي!

ذلك الرعب يستبد بالكاتبات المغمورات (في الواقع) والشهيرات باسماء مستعارة، بأن ينهار بلحظة ما بنينه في حياتهن، بسبب شخص جاهل وتافه يغار من نجاحهن الذي لن يصل اليه أبداً.

الموهبة ذنب لا يغتفر

من هنا بدأت قصتي مع شخصيتي السرية يوم رأى اخي اني اتباهى بحيازتي شهادة الجائزة الاولى للقصة القصيرة وتعليقها في غرفتي، ففتح معي تحقيقا بأسئلة متتابعة، لم يكن ينتظر اجابة بقدر ما كان يريد ادخال نغمة تهديد لأذني :" متى اشتركتِ؟ متى خرجتِ لاستلام تلك الشهادة؟ لو رايتك تذهبين هناك مرة ثانية ساكسر قدميك،... ". تأتي كلمات التهديد هذه منه هو الذي  لم يقرأ سوى المناهج المدرسية ولم ينجح الا باعجوبة، ثم اختار من الكليات اسهلها، اكاديمية الرسم، وتخرج منها يرسم وردة رسمتها قبل ان ادخل الابتدائية. ذلك الاخ عديم الموهبة يحارب كل امرأة، ومنها انا، ثم زوجته وابنته، وكل انثى تجيد عمل شئ ما، بتهمة انها خرجت عن التقاليد والاعراف، مثل ميثاق الركابي بالضبط!

لكن مع موهبة الكتابة تولد في داخلنا موهبة النضال من اجل الحق في الحياة، وممارسة كل نشاط – اخلاقي – سواء برضى الاهل او من ورائهم. إن اكتشاف العائلة لذلك سيكون أهون بكثير من وأد الموهبة الشخصية، فالموهبة امانة والعلم امانة علينا نقلها الى الاجيال القادمة، وتلك الامانة احياناً تكون في داخل انثى حتى لو انكر الرجل ذلك!

استاذتي  وقدوتي في الادب نصحتني ان استمر، بل ان انتفض واكتب باسمي الصريح. قالت لي : "ماذا سيفعلون؟ هل سيضربوك؟ هل سيهينوك؟ نعم، ثم سيرضخون لاختياراتك!"  لكن بصراحة انا جبانة! لم أُضرب في حياتي، ولهذا كان علي ان اعيش حياة جيمس بوند بحذافيرها - عدا المقطع المتعلق بالاسلحة - فاخرج دون علم احد في الصباح الباكر واعود والناس نيام ظهراً، واختار سائق اجرة من مكان بعيد عن البيت كي لا ينشر خبر خروجي ولا يُعرف مكان ذهابي لمؤتمر ما. كنت أحكم لف عبائتي على وجهي ولا اعطي ابدا أي معلومات عن اسمي، سكني او عائلتي، فكل شخص يعرفني بإسم مختلف !

لدي ثلاث مجاميع اصدقاء منفصلة، مجموعة في الانترنت، لا تعلم شيئا عن حياتي الحقيقية، مجموعة مكونة من الجيران لا يعلمون شيئاً عن نشاطي في الانترنت و مجموعة في العمل لا يعرفون من تكون "نور العراقية".

أريد ان أكون أنا!

 كنت واحدة من مجموعة مبدعات يتخرجهن من معهد المعلمات سنوياً على مدى عقود، يجدن الرسم والخط والخطابة وكتابة القصص والخواطر، بالاضافة الى التحلي بميزات عديدة كالصدق والالتزام واحترام القوانين والضمير الحي. لكن أين هن الآن؟ هن الآن في عصمة رجل شرقي، يعاملهن كربات بيوت، ليقول لهن بعد ان ينهين الاعمال الشاقة المؤبدة لخدمته هو وأولاده : وهل تسمي عملك هذا عملاً ؟ الزوج لا يعرف عن موهبتهن شيئا. وما كتبنه خلال حياتهن من ابداع ربما مزقه الابن الصغير او أنهن يعتبرنه الآن جنونا مؤقتا اقنعهن به، في السابق، المعلم او المدرسة وأن حياتهن كزوجات وأمهات هي الاساس. ايام شبابهن كانت جميلة وخادعة، وربما تذكرنها وسخرن من احلامهن الساذجة!

إن حياتي السرية متعبة جداً مرهقة الى أبعد الحدود ، تلاحقني الكوابيس على الدوام. يكفي اني اصنع شهرة لاسم غير اسمي، و لن استطع ابداً نشر صورتي. نعم، سأرتاح بعد كشفها ولكن يجب ان أحقق احلامي اولاً. أريد ان اصل الى مستوى لا رجعة فيه.

شئ واحد افتقده في حياتي ككاتبة، وهو اني لا استطيع ان اتباهى امام عائلتي بما حققته. لدي من تلك الشهادات، التي غضب من اجلها اخي، ما يفوق الثلاثين شهادة بين جائزة اولى وثانية وثالثة ومرتبة متميزة، اضافة الى تكريم على مستوى القطر، لا يعلم عنها  اهلي أي شيء. ربما سيسمون ذلك خيانة وانا اسميه ارادة ، ارادة ان اكون انا، لا ظلا لشخص آخر مثل صديقاتي.

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات