عندما يتحول الزواج الى تجارة

عندما يتحول الزواج الى تجارة

 

ربما كان من الافضل ان اختار لهذا المقال اسم (فلم هندي) لان القصة التي سأرويها تنفع بالتاكيد أن تكون فيلما هنديا.

تخيل معي ايها القارئ الجو المرافق للقرى الهندية، البيوت المكومة فوق بعضها، طرق طينية وحيوانات اليفة، غبار واشخاص بوجوه عابسة تدل على انها جاعت ثم جاعت حتى تعودت الجوع واصبح الشبع جزء من احلامها. بعد بيعهم كل شئ في المنزل، بدأوا ببيع البنات كنوع من انواع بيع العرض، المحلل شرعاً وقانوناً!

فالشرع والدين حللا المهر، ولاسباب خاصة اصبح يعادل تكاليف الزفاف والبيت الجديد. اما بالنسبة للعائلة الفقيرة، فقيمته تعادل مصروف سنة او ربما مبلغا لشراء تلفاز او هاتف محمول، او راتبا للاخ العاطل عن العمل!

ومثل أي سلعة، تباع الفتاة الصغيرة ذات ال14 سنة. ولا اعلم كيف تتم التسعيرة: بالكيلو ام بالسنتمتر؟

ما اتكلم عنه هو قصة حقيقية، حدثت لفاطمة، بنت ال21 سنة، حسبما يقوله اهلها، رغم ان شكلها و تصرفاتها لا يدلان على انها قد تجاوزت الرابعة عشر، فامثال فاطمة لا يتم تسجيلها في المدرسة، ولا تتم معالجتها في المستشفيات ولاتشارك في الانتخابات، هي اذن لا تحتاج هوية احوال مدنية، بل تحصل عليها فقط بعد ان تخطب من قبل رجل، وذلك العريس يقوم بدفع تكاليف عمل الهوية من اجور النقل الى مبلغ الصور الشخصية.

 عائلة فاطمة تسكن في "بيت تجاوز" (بناء غير قانوني على ارض لا يملكها صاحب البناء)، من طين وصفائح وبعض الطابوق في احسن الاحوال. اخوها يتاجر في الحبوب المسكنة وقد دخل السجن عدة مرات وكان مهر فاطمة هو ما يخرجه منه !

في كل مرة، يتم تزويج فاطمة على انها بكر. على اية حال، هي تتزوج رجلا كبير في السن ربما لن يكتشف ذلك، فهو محتاج للصحبة اكثر مما يحتاج لزوجة. ولكن بما انها بكر فهذا سيزيد من سعر بيعها.

يستمر بيع فاطمة الى من يدفع مهرا اكثر ويعلم العريس انه يجب عليه شراء كل حاجياتها بدون الرجوع او المطالبة بذلك المهر!

الغريب هو أن فاطمة لم تستفد من مهرها لانه دفع من اجل زواج اخيها العاطل بائع الحبوب المخدرة. ففي تلك الاماكن الفقيرة، تتم مبادلة البنت ببنت مثلها لزواج اخيها، تسمى محليا "كصة بكصة"، وبما أن زوج فاطمة لا يملك بنتا او اختا للمبادلة فقد اضطر ان يدفع مهر زواج اخيها!

اشياء رخيصة وبضع دنانير هو كل ما تحصل عليه تلك "الدجاجة" التي تبيض ذهباً لاهلها ! وليس  للعريس شروط عندما يختار فاطمة لانه يريد (أي زوجة و السلام) نظرا لعيوبه الكثيرة والتي أقلها انه مريض بمرض عضال، بينما يعتبر اهل فاطمة ذلك المرض من مميزات الزوج المطلوب كي يموت بسرعة، فيقومون بتزويجها من رجل آخر. المرض وكبر السن هما العاملان المشتركان عند أزواج فاطمة، بالاضافة الى المستوى المادي الجيد، وفقدان الاهل (فالزوج هو اما ارمل او رجل تخلى عنه ابناءه او رجل منبوذ لافعاله القبيحة).

 وخلال فترة الزواج تقوم فاطمة بأفعال غريبة، حيث تنكر معرفتها باي امر من امور المطبخ والتنظيف، وهي حجة تعلمتها من والدتها كي تهرب من بيت الزوجية في اثناء غياب الزوج الذي يتجاوز عمره الـ 80 سنة! بعدها يدعي اهل فاطمة انها مصابة بإنفصام الشخصية. لكن الهروب له اغراض مادية، فهي لا تعود الى بيت الزوجية الا بمبلغ مالي يُدفع لاهلها كعربون محبة، وهو مايعادل مصروف شهر تقتات به تلك العائلة التي ليس لها مصدر رزق. هروب فاطمة المتكرر اضطر زوجها ما قبل الاخير الى ربط الباب بالسلاسل والقفل!

مثل تلك العوائل لا تفقه شيئاً عن القانون او الشرع، تُزوج ابنتها بعقد شيخ دون اللجوء للمحكمة، كي تلغيه متى تشاء وتحتفظ بتقاعد الزوج السابق. احيانا يتم تزويج الفتاة حتى قبل انتهاء شهور العدة!

فاطمة حالة تشبه مئات من الحالات التي تنتشر بتكتم شديد. ومن يكثر السؤال او يتدخل كي ينقذ تلك المسكينة، تشهر في وجهه الحراب والسكاكين !

هل تعقدون ان فاطمة ستنتفض يوماً ما لتدافع عن حقها ؟ هل سترفض أن تكون سلعة للبيع او مصدر رزق لعائلتها؟ هل ستعرف يوماً طريق مؤسسة لحقوق المرأة كي تدافع عنها؟ وهل بقي اصلا في داخل تلك المسكينة مشاعر كي تنتفض كامرأة؟ او حتى احساس بأنها أمرأة؟

من سيدافع عن حقوق امثالها؟ من سيتجرأ؟

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات