مكافأة نهاية الخدمة

مكافأة نهاية الخدمة

فاجأني ذلك البائع المتجول الذي يجمع بقايا الطحين والأرز من البيوت، حينما قال لي انه يجمع المال لمساعدة سيدة عجوز تخلى عنها اولادها وهي الان في الشارع!

ظاهرة التخلي عن الاباء وبخاصة الامهات ليست ظاهرة جديدة، احد اسبابها صعوبة الحياة في الريف وقسوة الاباء انفسهم على الابناء، مما يجعل هؤلاء يردون القسوة بالمثل. التربية الخاطئة التي تعتمد سياسة الضرب والتخويف والطرد من المنزل هي من تتسبب في الحاق الاذى بالآباء مستقبلاً.

التربية الخاطئة هي نتيجة جهل الوالدين باساليب التربية، فالمدارس لا تعلمهم ذلك والمجتمع ينصح بالزيادة من حجم القسوة.كما أنه و منذ التسعينات عادت مناهج التربية القديمة في الظهور، خاصة في اتجاه الغاء دور الام في المنزل وحصره في كونها خادمة للأب والابناء، وجيب للمصاريف، فتفقد بذلك أي حياة خاصة لأن حياتها هي حياة ابنائها  مستقبلها هو مستقبلهم. حتى الآن يبدو الوضع طبيعياً.

أصبح من الطبيعي ايضاً ان الابن لا يدرس الا بمساعدة مدرس خصوصي تجلبه له الام ثم ينجح بمعدل منخفض. وبما ان لا جامعة حكومية تقبله، تضطر الام الى تسجيله بجامعة اهلية تدفع هي مصاريفها. ولأنه من الصعب عليه ايجاد شغل بعد التخرج، فإن الام تواصل الانفاق على الابن الذي يريد سيارة ثم عروسا. ربما ما زال الوضع طبيعياً بالنسبة لكم، لكن الغير طبيعي هو عدم تقدير تلك التضحيات.

منذ فترة حكت لي احدى قريباتي التي صرفت على ابنائها حتى تخرجوا بعد تخلي والدهم عنهم، أن ابنها رفع السلاح بوجهها لانها رفضت ان يتزوج ارملة سيئة السمعة! هذا بالاضافة الى الشتائم والضرب مع التهديد بالقتل!

منذ فترة أيضا عرض بمناسبة عيد الام فديو للكاميرا الخفية عن وظيفة بشروط تعجيزية، وظيفة بدوام كامل بدون عطل من أي نوع، والوظيفة ايضاً بدون راتب، وعندما رفض جميع المتقدمين تلك المهنة، قال لهم الموظف ان تلك المهنة قد شغلت بالفعل، انها مهنة الام!

الام لا تأخذ اجازة، لا تخرج مثلاً للاحتفال ولديها طفل صغير، ومتى ترى الام ان ابنها قد كبر! هي مستعدة على الدوام لان تعطي بدون مقابل، وعطائها هذا سؤثر بالتأكيد على أمرين: الاول صحتها، فنادراً ما اقابل أما لا تشكو من الضغط او السكري او من وجع في المفاصل وأمراض أخرى كثيرة. الامر الثاني هو تقصيرها في مستقبلها المهني، مثلا الجميع يقول لي اني مبدعة في مجال ما لاني غير متزوجة وليس لدي اطفال، وذلك هو اعتراف صريح منهم ان الام تلغي كل حياتها السابقة من اجل البيت و الابناء! أما لو كانت تشتغل في البيت والعمل فسيصير ذلك ضغطا آخر مضاعفا على طاقتها وصحتها!

البيوت اسرار، انما جلسة واحدة مع امهات قمن بتربية ابنائهن بطريقة العطاء بدون حدود، توضح ان مشاكلهن متشابهة: ارهاق، اهمال للصحة، وجحود الزوج والابناء. الجملة المشهورة التي ستسمعها الام من ابنها: (انت سمشويتلي؟) أي ماذا اعطيتني؟ و ان فلان امه اعطته كذا وكذا.

نعم هذه نتيجة الافراط في تحقيق رغبات البيت: إمرأة بلا مستقبل، بلا مذخور مادي، بلا عائلة تشفق وتعطف على حالها، وبالتالي فإن نهاية خدمتها صورة على الانترنت، ابن يرمي امه في الشارع وهي ترفض ان تذهب الى أي مكان لانها على قناعة بأن ابنها سيعود ليأخذها!!

نحن نقلد حياة الغرب لكن بشكل جزئي، نلبس ابناءنا كملابسهم، نعطيهم حرية كحريتهم، نصادقهم و نرفع الكلفة ، لكن ننسى ان الام في الغرب ابداً لا تتهاون في صحتها وشكلها، لا تهمل مستقبلها المهني، ولا تنسى ان تذخر شيئاً للزمن، فهي لم تهمل تجارب من رأتهم على ارصفة الطريق. هي تعلم جيداً انها ان لم تذخر شيئا لنفسها او تعتني بصحتها فلا احد سيفعل، على الاقل لا ضمان لذلك. هي تتعلم باستمرار كيف تربي رجلا يعتمد على نفسه وهو في الثامنة عشر، هل نستطيع ان نقول هذا على نساء مجتمعنا؟

نحن نحتاج لحملات توعية كثيرة لتفادي هذه النهايات المحزنة. ما زلت اشاهد يومياً امهات مستقبلهن الشارع مع ان ابنائهن ما زالوا في اشهرهم الاولى وذلك من ملاحظة طريقة اهمالهن لانفسهن وعنايتهن المفرطة بهم. نحن نحتاج الى تثقيف المرأة وتعليمها كيف تعلم ابناءها.

صحيح أن الام هي المدرسة والمعلم الاول، الا انها مع الاسف تملك اسوأ مكافأة نهاية خدمة !

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات