تعليم البنات

تعليم البنات

بحسب خبرتي في التدريس، هناك دائما سبب وراء تجاهل واهمال الطالبات ذوات المستوى الضعيف للتعليم، وهو اساسا معرفتهن بأنه في أي وقت سيقوم الاب او الأخ بإتخاذ قرار انهاء تعليمهن ليتم تزويجهن او "الستر" عليهن في المنزل.

تاريخياً، بدأ تعليم الاناث وذهابهن الى المدارس في الاربعينيات. كانت الفتيات كثيراً ما تكتفين بالحصول على الشهادة الابتدائية او تعلم القراءة والكتابة. وبعضهن ينهرن نفسياً لانهن لم يستطعن اكمال دراستهن، فالتعليم لا يغني ولا يسمن من جوع و امامهن اعمال كثيرة سواءا في الحقل او في المنزل.

هناك حجة اخرى للاهل المتمسكين بالتقاليد الصارمة آنذاك، وهي ان المرأة المتعلمة ستتكحل يوماً ما، ستركب وسائط نقل مع اغراب وستظهر بعضا من ساقيها ان لبست ثوباً قصيراً بدون العباءة السوداء. الاحزاب الشيوعية التي كانت فاعلة ومؤثرة في ذلك الوقت كانت تجعل المرأة المتعلمة والمثقفة  تقود ثورة ضد القيود التي فرضتها عليها العائلة. لذلك فإن خوف الاهل على اعتناق الانثى المتعلمة لتلك الافكار بات رعباً من ان تجلب عليهم تصرفاتها العار والدمار.

في سنوات لاحقة، وبسبب اختلاط بعض العوائل بالغرب نتيجة وجود الشركات الاجنبية وازدهار السياحة وانتشار السينما والمسرح والتلفزيون، اصبحت الأسر تسمح للاناث باكمال دراستهن و لكن في مدارس خاصة بالبنات فقط، كي لا تجلب الفتاة عريساً من الجامعة، فتكثر حولها الاقاويل بأنها كانت على علاقة بذلك العريس، وهو أمرغير مقبول.

في مراحل دراستي، كانت تلك مشكلة فتاة اسمها "زمن" أرغمها اهلها على ترك الدراسة وزوجوها. في اسبوع واحد، تركت "زمن" الدراسة في المعهد وهي في السنة الثانية لأن هناك من كشف علاقتها بشاب يجلس قربها في الحافلة وهي تعود  للمنزل، وبدل من توعيتها و محاسبة الشاب، وقع كل اللوم على تلك المراهقة، فحرمت من التعليم واصبحت أماً صغيرة (قد) تجني هي الاخرى على من تربي من ابناءها. ولا أعلم لم ينظر بعض الاهالي الى الزواج كنوع من انواع العقاب؟! سواء للبنت او الولد !

اذكر اني درست تلميذة في الثاني الابتدائي تركت الدراسة بعد ان عرضت امها علي الرشوة لتنجح، وصادفت والدتها منذ فترة فسألتها عن علياء، اخبرتني انها تزوجت وهي الآن أم لثلاثة أطفال! استغربت بشدة! متى وكيف؟ فالأم زوجت تلك التلميذة في سن ال12 او اقل. "ما فائدة جلوسها لمدة اطول؟ ثم ان اول (بخت) هو احسن (بخت) كما ورثناها نصيحة من جداتنا العراقيات!"، اجابتني.

لا تظنن أن عقاب ترك الدراسة قد بطلت موضته الآن، فكثيراً ما اسمع الامهات يهددن بناتهن بترك المدرسة ان رسبن او ان لم يكن اوائل هذا العام او ان أسأن التصرف. اضافة الى ذلك، فإن الاهل يجبرون بناتهم على ترك مقاعد الدراسة بسبب غلاء المعيشة وكثرة الطلاب في العائلة الواحدة، فيضحي الاب او الام الارملة بمستقبل البنت حتى لو كانت مجتهدة، مقابل الاهتمام بمستقبل الذكر حتى لو كان فاشلا.

مجتمعنا يعاقب البنت باجبارها على ترك الدراسة، فبدلاً من تعليمها ، يفضل ان يجعلها "برقبة رجل". الفكرة هي التخلص منها بسرعة، عوض تربيتها ونصحها حتى تتعلم كيف تحترس من ذئاب الطريق، وتحب التعليم لأنه يرفع من قيمتها ويجعلها فاهمة ووواعية، فتكون بذلك ابنة واختا وزوجة وأما تجلب الفخر لها ولعائلتها ولكل من عرفها.

انه مجتمع يلغي نصفه، يسير كأعرج بقدم واحدة مع دول تسابق الريح.

لا اعرف متى سيواكب باقي الامم!

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات