اجسادهن خدمات فندقية

اجسادهن خدمات فندقية

"اجسادهن خدمات فندقية"، سمعت هذه العبارة فصعقتني حين تلفظ بها عامل في احد الفنادق الراقية، عندما كنت برفقة بعض الزملاء في ورشة تدربية عن حقوق الانسان. كانت العاملات في الفندق فتيات يرتدين التنانير القصيرة والقمصان الضيقة وكن من ذوات السيقان البيضاء، الا سمراء واحدة كانت تحاول جذب النزلاء بابتسامتها المختلطة بين الحزن والمجاملة. اعتبرت أن موضوع الملابس الضيقة الملفتة للانتباه والماكياج  مجرد اتكيت معمول به في هذا الفندق، كواجهة تبعث على التفاؤل لدى زبائن الفندق. في نفس الوقت، حاولت كثيرا نسيان تلك العبارة، الا انها بقيت في ذهني.

في صباح اليوم التالي، صحوت باكرا كي استطيع التحدث مع احدى الفتيات العاملات، علي اجد تفسيرا لتلك الكلمات القاسية التي نطقها زميلهن. وبصعوبة بالغة تحدثت معي احداهن. كانت خائفة من ان يسمعها احدهم فينقطع رزقها ويطردها زوجها المخمور كما قالت، وهي ترتب الملاعق، محاولة اخفاء اشمئزازها. عندما سالتها عن نوع الخدمات التي تقدمها للزبائن عدا التنظيف. فاجأبتني باجابتها: "اجسادنا البيضاء"ّ! ثم اضافت: "هكذا هي شروط العمل. هنا لحم ابيض وملابس قصيرة ضيقة وشعر طويل ملون واصباغ توضع على الوجه لنتراقص امام الزبون عله يجد من تعجبه ليعاود السكن في فندقنا الراقي الذي يرتاده كبار المسؤولين". كلمات قليلة قالتها وهرعت الى طاولة ثانية. تالمت بشدة لفضاعة وبشاعة ما سمعت واحتقرت هذا المجتمع الذي يتاجر بمعاناة النساء المحتاجات ليجعل منهن خادمات يتم تجريدهن من كرامتهن  واذلالهن والتجارة باجسادهن، ليعتبرها صاحب فندق وسيلة ترفيهية لزبائنه حتى يمزقوا بنظراتهم الدونية اجسام تلك الفتيات المظلومات.

 اي زمن هذا الذي يقتات فيه اناس على آهات واحزان المستضعفين وتهان فيه النساء اللواتي يبحثن عن العمل بشرف وكرامة ويجبرن على عرض مفاتنهن  لتكون اجسادهن خدمات فندقية، في حين يحافظ زملاؤهن الرجال على كرامتهن دون ان يهانوا.

قبل ان اغادر ذلك الفندق الفخم في العاصمة "...." وجدت الفتاة التي حدثتني، واقفة باكرا عند باب غرفتي لتهمس في اذني وتطلب مني الا اقول لاحد عما دار بيننا من حديث كي لاينقطع رزقها وتخسر عملها. ودعتها وتمنيت لها الخير والصلاح وفي داخلي بركان من الالم والغضب، فان تحدثت بالامر قطعت رزقها. كما ان الحال سيبقى على ما هو عليه، بل ستاتي الف واحدة غيرها لتعمل محلها بنفس الشروط، بسبب ظروف البلد العصيبة.

 تسألت في داخلي: من يتحمل هذه المسؤولية ليضمن للمرأة أن تعمل بكرامة ويحفظ لها حقها في العيش الكريم ؟ تذكرت دستور العراق الذي ينص على ان "لكل مواطن الحق في العيش بكرامة"، فانتباني الاحباط، لاني في كل يوم ارى نساءا كرامتهن مهدورة وحقوقهن مسلوبة.

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات