المكروهة

المكروهة

احد اكثر الامثال التي تؤثر فيا كثيراً هو المثل العراقي " مكروهة و جابت بنية" و يضرب لمن يكون ذا ذنب سابق ألحقه بذنب آخر. يؤلمني جداً كأنثى، و كأمرأة ربما ستكون أماً ، لان اكثر شيء مكروه في المجتمعات الريفية و القبلية ان ترزق  المرأة بالاناث، فقد تشعر بالاذلال من قبل زوجها وعائلته اكثر من المرأة العاقر !

مسألة انجاب الاناث كانت ما زالت تقهر الام، رغم  ان الدين عالج تلك القضية في القرآن الكريم فحرم وأد البنات و بشَر الولدين بأن تربية البنت أجر و ثواب لان من يربي بناته على العفة يدخل الجنة. رغم ذلك، بقيت تلك العنصرية  في عقولنا،  شبيهة جداً بما كان يحصل في الجاهلية من وأد الفتيات ليس بسبب الاملاق او الفقر فقط ، بل لتجنب عارها او الخوف من  سبيها عند الغزوات و الحروب!

احيانا – و ستتعجبون لرأيي هذا- أجد اسباب مقنعة لوأد البنت، خاصة كلما اصابني إخنتاق  من هذا المجتمع الذي لا ينفع فيه دين او حضارة  او منطق! احيانا اشعر ان ذلك الوأد كان رحمة للبنت اكثر من كونه ظلم، لان الفتاة تحاسب، وبلا جريرة، طوال حياتها باعتبارها عورة. تعيش نصف حياة او ربما عُشرها.

ربما ستتعجبون ايضاً ان الاطفال حديثي الولادة اللقطاء الذين يتم التخلي عنهم قرب مكب نفايات او ابواب الجوامع او حتى في بساتين القرى و الارياف ليسوا بالاصل كذلك، بل ان معظمم اناث. هل هذا مجرد صدفة ام انه وأد من نوع عصري؟! لقد اكتشفتُ ان الزوج الريفي يهدد زوجته بالطلاق  - و احياناً بالذبح- لو انجبت له انثى، فتضطر الام للتخلي عن ابنتها بعد ولادتها و تخبر الجميع انها اجهضت ولداً ! او ربما اخبرتهم انها مولودتها انثى ولكن توفاها الاجل. وربما تفكر الام  ان تعطي تلك المولودة لعائلة تحتاجها، عائلة حرمت من الانجاب ستقدر تلك النعمة فتولي الرضيعة عناية اكثر مما كانت ستحظى به في أسرتها الاولى. من الغريب ايضاً أن الاب و العائلة  يعترفان بالولد حتى لو رزق به ذلك الوالد بطريقة غير شرعية، فيقوم بعقد قرانه على ام الطفل ثم يأخذ المولود الذكر ليربيه و يطلق الام بعد ارضائها بمبلغ من المال .

فشل الدين في توعية تلك الطبقة من الناس، فشل في ان يعلمهم كيف يحبوا المولودة الانثى كما يحبون و يتباهون بالذكر. لم ينجح العلم ايضا في اقناعهم بان سبب انجاب الاناث او بمعنى اخر السبب الرئيسي في تحديد جنس المولود هو الرجل و ليس المراة.

هل تعلمون متى سيشعر ذلك الاب ”الذي اسودَّ وجهه يوم بُشر بالبنت" بالندم ؟  عندما يقترب من الموت و يهرم ويشيخ، عندما يحتاج الى العطف والحنان اكثر من التباهي بالمال والبنين، فتأتي تلك البنت - التي اشعرته ولادتها بالعار- اليه بقدح الماء و الدواء مبتسمة، يوم يحترمه الناس لان ابنته طبيبة أومخترعة أو مهندسة أو رسامة، يوم تشتري له البنت هدية من راتبها الخاص، بينما يتشاجرمعه ابنه المدلل ليأخذ مكانته كرجل  العائلة ، فتقف الفتاة لتدافع عن ابيها الذي طالما مارس التفرقة في التعامل بينها و بين اخيها الذكر. عندها سيقول كما قال ابي مرة   :" اتمنى لو رزقت بعشر بنات ولا ولد واحد ".

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات