التمرد على القيود الاجتماعية

التمرد على القيود الاجتماعية

شاركت في احتفالية كبيرة اقامتها كلية الهندسة في جامعة القادسية  بمناسبة الانتصارات الاخيرة التي حققتها القوات العراقية والحشد الشعبي ضد تنظيم داعش الارهابي وكانت احدى فقرات الحفل تتمثل في عرض مسرحي اجتماعي، قدمته مجموعة من طالبات احدى المدارس الثانوية في محافظة الديوانية وهن يرتدين الزي العربي القديم. خلال صعودهن على منصة المسرح، همس رجل كان يجلس بجانبي قائلا ونظرات الغضب تتطاير من عينيه "بنات ما يستحين!" (ويقصد انهن عديمات الحياء). "كيف يرتدين زي الرجال ويعتلين المسرح؟" لكن ما اثار حفيظته اكثر هو موضوع المسرحية وهو زواج القاصرات والزواج بالاكراه لابن العم او ابن العشيرة. كان العرض متميزا جريئا في محتواه وادائه، حيث دعا الى رفض هذا النوع من الزيجات ودعوة الفتيات الى ضرورة عدم الرضوخ لقرارات العشيرة الظالمة التي تحرمهن حقهن في اختيار الشريك وحق التعلم.

على قدر انزعاجي من الرجل البليد،  تملكتني فرحة غامرة وشعرت بذلك التمرد المشروع الذي اوحت به الفتيات وهن ثائرات على تلك القيود الاجتماعية التي انتهكت حقوق الكثير منهن. وهنا تذكرت البنات اللواتي حرمن من دخول معهد الفنون الجميلة الذي اصبح حكرا على الذكور بحجة عدم توفر المكان. لكن الامل عاد لي عندما رايت القوة والاصرار والشجاعة والتحدي في هذا العمل المسرحي حيث كانت الممثلات يصرخن بصوت عال : "لن نرضخ للقيود العرفية وسنعبر عن رغباتنا ونوصل صوتنا ونتمرد على الافكار الجاهلة التي تحرمنا حقوقنا". وهنا تيقنت ان القدرة والارادة هما السبيل الوحيد الى تحقيق الذات وانتزاع الحقوق. ما لمسته اليوم عند الفتيات يعتبر مؤشرا ايجابيا على الثورة والغضب الذي يعتريهن، مما شجعهن على كسر كل حواجز الخوف والخجل والرضوخ. وهذا ليس بالأمر السهل لانهن يدركن ان الديوانية مدينة ذات طابع عشائري.

ثم عاد الرجل ليهمس مرة اخرى وكأنه نسي نفسه:  "والله سباعيات!" بعد ان ساد قاعة الحفل تصفيق حاد. تغير فكره بمجرد مشهد صغير على المسرح فما بالك اذا تغير الواقع برمته؟

ما اريد الوصول اليه هو ان النساء وخاصة العراقيات ظلمن لاعوام عديدة ومازال الكثير منهن مضطهدات بسبب القيود الاجتماعية، حتى المتعلمات منهن ومن تقلدن مناصب ادارية او سياسية. مع ذلك اعتبر انهن ظلمن انفسهن بسبب عدم وجود الارادة الحقيقة لكسر القيود وانتزاع الحقوق واثبات الوجود وعدم السماح للعادات والتقاليد الجاهلية بتسيرهن كما جرت العادة. تغيير الواقع يبدأ من النفس اولا كي نستطيع التأثير في المجتمع لتحويله وفق المسار الصحيح. ففي قوله تعالى في سورة الرعد دليل واضح على ذلك: "إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ". وها هو التغير يبدأ بعدد بسيط من الطالبات. انا اقف لهن وقفة اجلال واعتزاز وفخر كونهن جيل نسوي واعد سيحقق نهضة نسوية جريئة لا تقبل الا بالمساوة والغاء كل اشكال التمييز ضد المرأة.

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات