لبس السواد

لبس السواد

تلك القصائد التي تتكلم عن لبس السواد و سبي العباد كانت في البداية مجرد دعاية واعلان بسبب قلة النساء اللواتي يرغبن في لبس السواد في العصور القديمة، بينما  السيدات اللواتي زرتهن لم يكن يتشحن بالسواد لانه موضة او لكي يبدين جميلات، بل لانهن فقدن عزيزاً لا تشتهي بعده اجسادهن لبس الوان الحياة الاخرى. انهن موتى بين الاحياء! وهذا ما فعلته خالتي بعد وفاة اختها ثم زوجها، قدمت كل ملابسها الملونة لامي وقالت انها ستلتزم بما تفعله السيدات في مثل حالتها، اي انها طلقت الحياة ثلاثاً.

اتذكر انه في احد الايام، أخذتني امي من يدي وانا طفلة، نتجول بين اقاربها في زيارة. كنتُ الاحظ مع كل باب نطرقه، ان من يفتح الباب سيدة عجوز ترتدي السواد!

في قصة اخرى، حدثتني صديقة لي عن جارتها التي كان زوجها سكيراً مقامراً وكانت هي تشحذ و تبيع الغالي و الرخيص كي تبني لها بيتاً يؤويها مع اطفالها. كانت تحمل صينية الطعام على راسها مسافات طويلة لعمال البناء كي توفر اجرة السائق، وبعد ان اكملت البيت وجدت ان زوجها السكير باعه واختفى، ثم عاد نادماً بعد نفاذ ما في جيبه. كررت هي ما فعلته من اجل بناء بيت لاطفالها، و كرر هو ما فعل وباع البيت من جديد، ثم مات بمرض عضال نتيجة سكره. رغم كل ما اقترفه، فإن زوجته لم تقصر في مراسيم الدفن و الجنازة وكذلك في لبس الاسود مدى الحياة، ليس لانها تعتقد بأنه يستحق، بل لان المجتمع فرض عليها ان تحترم ذلك الرجل الذي لم يحترم شيبتها و اعوجاج ظهرها. كانت تخبر المعزيات ان زوجها لا يستحق سوى نار جهنم وانها لبست السواد احترماً للمجتمع الذي لن يرحمها هو الاخر.

في حكاية ثالثة، جرى قرب بيتنا حادث، توفيت على اثره عائلة بأكملها، وبينما كانت فتيات تلك العائلة ترتدين السواد حزنا على من فقدن، كان زوج احدى المتوفيات يقف على الطريق ليشاهد بين المعزيات فتاة جميلة لتعوضه عن زوجته المرحومة! هو ليس بخائن، ولكنه محتاج لزوجة وهو معذور لان مجتمعنا "العادل المثالي" يفرض الوفاء على جنس واحد فقط، جنس بنات حواء.

هنا – في بلدي -  يقنع المجتمع الفتيات الصغيرات ان لبس السواد يجعلهن نساء ناضجات. كانت امي تقول لي عندما ارتدي هذا اللون : "ترف لبس السواد عليج يحله" وهو مقطع شعري يصف الاسود بالترف و النعومة.

اعتقد ان مجتمعنا العراقي هو اكبر سوق ملابس سوداء في العالم العربي و العالمي، فكل مناسباتنا و بخاصة في محافظات الجنوب، تتسم بالحزن. هي مناسبات سنوية، يجب لبس الاسود فيها والا اتهمت المرأة بالكفر او ضعف الدين. عدا ذلك، فإن تعدد الحروب و ضحايا التفجيرات الارهابية جعلت من المستحيل ان تمر سنة الا و تلبس الفتيات الاسود حزنا على احد الاقارب. فلو جلس احدنا ليحسب السنوات التي ترتدي فيها سيدة عراقية ملابس ملونة لما تجاوزت ال10 سنوات، و الباقي ستضطر للبس السواد ، لترضي العباد

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات