محو الامية

محو الامية

صورة والدتي وهي على مقاعد الدراسة في مركز محو الامية جعلتني اكتب هذا الموضوع، فأمي لديها كل شيء : بيت و املاك و مصوغ و عشرة ابناء كلهم نجحوا في الحياة، بالاضافة الى انها حجت و عمرت، الا ان لا شئ يؤلمها في الحياة بقدر فكرة انها لم تقرأ يوماً القرآن.

امي واحدة من مئات الامهات اللواتي كن ضحية العادات والتقاليد التي ترى ان دور البنات هو خدمة الذكور ومساعدتهم في شتى مجالات الحياة.

ولو كنا -كنساء- ندين بالفضل لاحد، نحن جيل الثمانينات والسبعينات، فهو لامهاتنا اللواتي ضحين وكسرن قوانين اللآباء و الاجداد كي يرسلن بناتهن الى المدرسة والجامعة ليكملن تعليمهن.

قد لا يفهم من اكمل دراسته، معاناة الشخص الأمي الا اذا احتك به وعاش معه، فهو يموت كل مرة يرى فيها شخصا متعلما. انه يمشي في طريق بلا حروف ولا كلمات كطفل تائه.  اتذكر كيف كانت امي تصطحبني وانا في الصف الاول ابتدائي كي اقرأ لها لافتة اسماء الاطباء عندما نذهب للعلاج!

قبل سنة تم عندنا تفعيل نظام محو الامية من جديد، بتخصيص رواتب للمدرسين و للطالبات. كان الدافع المادي وراء ارسال بعض الاهالي و الازواج، النساء للتعلم بخمسة الاف دينار في الاسبوع!

سيقول البعض ان الدافع كان العلم. وهؤلاء ارد عليهم بقولي: اذن لماذا توقف ارسال الطالبات بعد تأخر الاموال التي وعدتهم بها الحكومة؟

انا اتوقع فشل هذه المبادرة، طالما ليس هدفها العلم بذاته.

نأتي إلى الوضع الراهن في بعض مدن العراق، خاصة بعد هجوم داعش الذي انعكس سلبيا على الحياة برمتها ومن ضمنها قطاع التعليم. فقد عانى الاطفال من ضرورة ترك مدارسهم التي تحولت الى مأوى غير مريح للنازحين.

شئ اخر بدأ يظهر و يطفو على السطح هو اهمال الاهل القيمة الحقيقية للعلم، فهم يتصورون ان التعلم شهادة و نجاح و ليس تمكنا من العلوم التي تدرس لابنائهم، فيدفعون بهم الى النجاح "الورقي" و ليس الحقيقي، ليصنعوا بذلك امية جديدة مخيفة !

انهم يحكمون على بناتهم بأمية مقصودة من اجل سمعة العائلة، هي ذاتها التي دفعت جدي الى اجبار امي على ترك المدرسة! فتجد ابا يقول للمعلم : "دعها تنجح من اجل سمعة العائلة، فبنت عمها نجحت، فكيف لا تكون مثلها!"  وأم تردد : "اقسم  ابوها  على ان تترك المدرسة ان رسبت هذه السنة!" واخرى تضيف : "نحن فقراء ولا نستطيع ان  نصرف على ابنتنا سنة اضافية لو رسبت". ومن هذه الحجج يوجد الكثير...

هذا النوع من الامية بات اخطر من الامية نفسها، اذ ان الفتاة تكبر دون أي طموح او حلم سوى تعيين في وظيفة تمكنها من ملئ جيبها بالمال لتنفقه في كماليات الحياة.

مسكين يا وطني، بدلاً من ان نرقع ثيابك البالية بالعلم و المعرفة، صرنا نمزق ما تبقى منك من اجل حفنة اموال دون هدف، فبعد ان كنا نعاني من "أمية الحرف" اضفنا لها "أمية الهدف".

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات