"ناقصة الابهام"

كان دائما لدي اعتقاد أن هناك نساء منحهن الله كل شيء، فلديهن الجمال والصحة والمال، ولديهن أهل يعتنون بأدق تفاصيل حياتهن ويوفرون لهن كل متطلبات الراحة.

ظل هذا الاعتقاد يسكن مخيلتي لفترة طويلة الى ان صادفت تلميذة في الصف، اسمها زينب، غيرت نظرتي للحياة بأكملها. كنت اجلس متأملة زينب ذات العشرة أعوام وهي تضحك وتحل تمرينا كان مكتوبا على السبورة، وأسأل نفسي : " يقولون ان لا احد كامل، ولكن زينب لا ينقصها شيء، فهي جميلة، ذكية، محبوبة وذات جسم متناسق، كما أن والدها مهندس وعائلتها معروفة." في نفس اللحظة، اقتربت مني زينب حاملة دفترها لتريني ماذا كتبت، فاكتشفت أن أحد اصابعها مقطوع، لكنها لم تكن لتبالي، رغم انه ينقصها اصبع يشوه يدها الصغيرة الرقيقة. ولدت زينب بدون ابهام، إلا أنني لم اراها يوما تشكي او تشعر بالنقص، بل هي دائمة الابتسام ومتفوقة في الفصل.

تكررت معي تجربة مماثلة لما عشته مع زينب، حيث تعرفت على ناقدة شابة، غاية في الجمال، وكنت اقول في داخلي: " مالذي ينقص هذه الشابة؟ فهي بيضاء البشرة وعيناها ملونة ولها قوام ممشوق، كما انها تحمل شهادة عليا، فضلا عن كونها موهوبة في الكتابة. كم هي سعيدة، لا ينقصها شيء! "

بعدها، تبين انها مصابة بمرض خطير وأن اللون في عينيها هو ما يجعلها لا تبصر، وأن بياض بشرتها مرض جلدي، كما أن شعرها ابيض بالكامل، وهي مصابة بتلف بأحد قدميها، مما يجعلها لا تسير بشكل مستقيم.

أعتقد اننا كنساء نحمل في داخلنا نوعا من الانتقاص للنفس وحسدا مختبئا لغيرنا من النساء، ممن لديهن اشياء نتمنى لو كنا نملكها، لكن بالتاكيد، لو دققنا في حياتهن، سنجد انه ينقصهن الكثير من النعم.

لنكن اذ مثل "ناقصة الابهام"، نعلم جيداً بنواقصنا، لكننا نتقبلها ونعتاد عليها، ونبتسم للقادم من عمرنا وكأننا كاملات لا ينقصنا شيء...

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات