وقحة وأفتخر!!

وقحة وأفتخر!!

دعيت الى احدى الجلسات النقاشية التي حضرها عدد من الرجال والنساء "المثقفين الواعين" تمحورت حول الجندر وحقوق المراة وسبل القضاء على العادات والتقاليد التي تحجم دورها في المجتمع.

كنت سعيدة جدا بحضورها لانها  تناولت جانبا مهما ومؤثرا في حياة المراة العراقية. جلست في المقعد الامامي وجلس الى جانبي عدد من الرجال وامرأتين، فيما جلست بقية النساء، إما في آخر القاعة او في احدى الزوايا، وهذا الامر ليس غريبا، فغالبا ما تختار النساء هكذا اماكن تجنبا للتصوير او لضمان "عدم مخالطة الرجال ". ( وهذه من ابرز اسباب معاناتي عندما اكلف باعداد وتنظيم مؤتمر او ورشة تدريبية!)  

بعد ان انتهت المحاور وفتح باب النقاش، كان معظم من طلبوا الكلمة رجالا عدى امرأتين انا واخرى تربوبة. وكان ميسر الجلسة  الذي تبجح بالقائه المحاضرة عن دور المراة وحقوقها هو من يختار المتدخلين. ولاني اول من سجل طلب التدخل، لم يعرني اهتمامه، فميوله الذكورية كشفت زيفه، وكان اول المتداخلين رجلا تحدث باسهاب دون انقطاع، فيما ظهرت علامات الاعجاب والرضى والفخر على وجه الميسر وهو يهز راسه لعبارة " مكان المراة الحقيقي في البيت لتحضير الطعام وتنظيف البيت وتربية الاولاد ". صفق له بعض الحضور ثم عاد الميسر ليعطي الكلمة لرجل اخر تحدث عن قوة الرجل وتحمله المصاعب، في حين ان المراة رقيقة لا تتحمل حرارة الجو، ثم وصفها ب" الموطا" (المثلجات) وقال انها " تموع بالحر"، وهنا ضحك الحاضرون.

كنت اسجل هذه الخروقات في ذهني بانتظار دوري بالمداخلة، ثم قاطعت الميسر عندما صاح باسم رجل ثالث وقلت له : "احترامي للجميع ولكني اول من طلب الكلمة"، فرد بانزعاج شديد: "وان يكن، فهم اكبر منك سنا واكفأ واجدر!!" اثار حفيظتي فأجبته بقسوة "من تكون لتقيّم  الجالسين وكيف عرفت انهم اجدر!  يبدو انك استخدمت "كاشف الزاهي"!"

هنا تدخل البعض لنكمل الجلسة، لكني اصريت على ان اكمل مداخلتي رغم اعتراض الميسر واجبرت الجميع على الانصات لحديثي مع تعقيب على من سبقني. واثناء ذلك، كنت اسمع همسات ممن جلس خلفي وهو يقول "وقحة"، "سليطة اللسان"...كانت كلمات قاسية لكنها جعلتني افخر بنفسي لأن الذم جاء من "ناقصي العقول"، والعبارة تقول "اذا جاءتك مذمة من ناقصٍ فاعلم انك كاملٌ ".

بعد ان انتهيت من مداخلتي التي لم ترق للميسر ولم يسجلها لاني هاجمت الافكار القبيحة التي حجمت دور المراة في المجتمع وتحدثت عن السلطة الذكورية وهيمنتها على تصرفات بعض مدعي الثقافة والوعي واعطيت نموذجا كان من وحي الجلسة، تمنيت  ان أحضى بدعم نسوي او رجالي. حاولت احد النساء ان تتضامن معي وتعالى صوتها وتكررت ذات الكلمات "نساء وقحات". التفت اليهم  بابتسامة فخر وسالتهم: "هل اصبحت المراة الواعية بحقوقها وفكرها المتزن وقحة؟ وهل تسمون المراة المدافعة عن نفسها وكرامتها بأدب وخلق سليطة اللسان؟"

لُجمت السنتهم ولم يتفوهوا بحرف واحد، وعندها صفقت باقي النساء الجالسات ولا اعرف لماذا شعرت اننا ربحنا معركة، رغم انها كانت جلسة، وقلت في نفسي: ان كان قول الحق يعني اننا وقحات فنحن نفتخر بوقاحاتنا، ثم اقتربت مني السيدة التربوية وحيتني وقالت بصوت عالٍ: "نريد ثورة نسوية نغير من خلالها فكر الجاهلين والمتخلفين وهذا هو نصرنا الحقيقي."

رسالتي هي ان المنتصر الحقيقي هو من يعلو صوته بالحق دون خوف او حرج.

لنكن هكذا ولنساند بعضنا البعض حتى نكون "منتصرات" وان قالوا عنا "وقحات !!"

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات