نساء في الخطوط الخلفية

نساء في الخطوط الخلفية

دعيت قبل ايام لحضور مهرجان ثقافي وكالعادة حُجزت المقاعد الامامية للوجهاء من الذكور. دخلت المهرجان وجلست في الجانب الثاني وبدات اترقب الحضور، فلم اجد الى جانبي سوى رجال واطفال. التفت لأسال احد الزملاء من الصحفيين الحاضرين:" هل المهرجان للرجال والاطفال فقط؟" فأجابني الزميل قائلا :"لا اختي، النساء موجودات وكثيرات ولكنهن يجلسن في الخط الخلفي بعد الاطفال !!" أذهلتني اجابته، ولكن دهشتي زادت عندما اردف قائلا : "بعض الحاضرين استغربوا جلوسك بين الرجال والاطفال لان المكان المخصص للنساء في الخلف، لكني اخبرتهم انك صحفية، لا تقلقي!"

ازداد استغرابي، فما هو الداعي لتخصيص المكان الخلفي للنساء في قاعة ضخمة جدا!

في اليوم التالي، عدت الى نفس المهرجان وجلست في المقدمة ودعوت صديقتي التي التقيتها صدفة لتجلس بجانبي. كانت مرتبكة جدا وقالت لي: "أخاف أن لا يقبلوا لأن هذا المكان المخصص للرجال!" فأجبتها بعصبية: "يعني مكتوب اسمهم على المكان مثلا أو هم احسن منا!"

في الاخير، اقنعتها بضرورة ان نجلس في الخط الامامي، ثم دعونا بعض النساء وشجعناهن ليجلسن الى جانبنا. وبعد جهد ونقاش، جلست بعض النسوة بخجل وحذر شديدين.

بعد برهة من الوقت، رأيت امراة ترتدي النقاب وهي تهمس بآذان النساء واحدة تلوالاخرى حتى وصلت الي وقالت "اختي ارجوك انسحبي للخط الخلفي فلا يجوز ان تكوني قريبة من الرجال لأن المكان مخصص لهم ". ابتسمت بحرقة وقلت لها: " من امرك بهذا؟" قالت: "انت مخيرة ولكن لا يجوز هذا". ابتسمت باستهزاء وامسكت بشدة بيد صديقتي حتى لا تنصاع لما طلب منها وتبقى جالسة في مكانها، ولكني دهشت عندما رايت النساء ينسحبن واحدة  بعد الاخرى وكأن أمر الانسحاب قد نزل من السماء !! حاولت ارجاعهن دون جدوى !!

ربما تعتقدون ان الامر لا يستحق كل هذه الاهمية، ولكني اراه صعبا وقاسيا على المراة من عدة جوانب، اولها ازاحتها الى الخطوط الخلفية في كل مناسبة وثانيها، عدم تقبل وجودها الى جانب الرجل في اغلب المناسبات والمحافل الا ما ندر، حتى ان الاطفال  يحضون بالاهتمام اكثر منها!

اتسائل: اذا لم يكن وجود المراة مرحبا به، فلماذا تتم دعوتها لحضور هكذا محافل، ام هو فقط لسد النقص في عدد الحاضرين؟

يتبجح الكثيرون باشراك النساء في انشطتهم تماما كما يفعل السياسيون في حكومة العراق، الا انهم بذلك يزيفون حقيقة تعاملهم مع المرأة وغالبا ما يتجاهلون وجودها.

لكن الامر المحزن من كل تلك الحادثة هو تنازل النساء عن حقهن وانسحابهن دون اي نقاش او اعتراض. ولهذا نرى ان المراة اليوم هي من تفرط بحقها وكرامتها لتكون مطمعا لتحكم الاخرين والانتقاص من وجودها وكرامتها، فلو انها تمسكت برايها وجلست في مكانها الذي تستحقه، لما تجرأ احد على ازاحتها. ولكن من يتخلى عن حقه بسهولة، لن يحصل على شيء، لأن الحقوق تنتزع ولا تطلب.

رسالتي اليك ايتها المراة هي ان تعرفي قدرك ولا تتنازلي عن حقك البسيط حتى لا تفقدي حقوقك الكبيرة. عليك ان تواجهي وتتصدي والا تكوني مستسلمة ، بل جاهدي لتكوني في الصدارة ولا تنحني أمام عادات المجتمع الواهية.

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات