عيد المعاناة العالمي

عيد المعاناة العالمي

قد يعني الاحتفاء باليوم العالمي للمرأة في  8 آذار الكثير بالنسبة لبعض النساء العراقيات من شريحة معينة، فيعلقن الزينة ويشترين الحلويات ويلتقين على شكل تجمعات لالقاء الكلمات الترحيبية والتحفيزية ويتبادلن اطراف الحديث عن مشاريع قادمة وربما منح كبيرة من منظمات دولية.

وخلال تجولي في سوق الديوانية الشعبي الخاص بالخضار واللحوم لعمل تقرير صحفي بالمناسبة ذاتها، لكن بطعم الفقراء،  تعرفت على نساء اخريات  افترشن الارصفة من ساعة الفجر حتى منتصف النهار، قبل أخذ قسط من الراحة والعودة الى العمل.غالبا ما تكون التغطية الصحفية  في مثل هكذا مناسبات، لانشطة نسوية تنفذها منظمات مجتمع مدني او تقوم بها  جهات حكومية لاغراض حزبية. ولكني في  هذه المرة اردت ان اتعرف على شريحة اخرى من النساء يخبئن همومهن ومرضهن واوجاعهن خلف عبائتهن لمواجهة الفقر!!

التقيت بائعة الدجاج وبائعة الخضروات وبائعة البخور والحناء وبائعة الخبز وبائعة اللبن التي رفضت ان اصورها او التقط صورة معها لانها تخشى على مشاعر اولادها !! وجدت المعاناة التي تتجدد في كل عام وفي كل عيد. عندما سألتهن عن رأيهن في عيد المراة، أجبن باستغراب "وهل للمراة عيد ؟" قلت: "نعم". ابتسمت بائعة الدجاج وقالت : "هل في العراق نساء يحتفلن بالعيد؟ قلت لها "نعم". قالت "من؟" تلعثمت قبل ان اجيبها ثم قلت: "نساء المنظمات والمسؤولات وبعض الموظفات وغيرهن". قالت باستهزاء: "وهل نحن نساء؟ لم نشعر يوما باننا  ننتمي لهذه الشريحة من النساء لاننا بالاصل لا نعرف الا موعد طلوع الفجر ووقت الظهيرة، فهذه الفترة تعني ان وقت العمل قد حان ولا يهم ان كنا على فراش على المرض او نمنا بمعدة فارغة، لأن مسؤولياتنا اكبر من التفكير بانفسنا" ثم استرسلت: هل اخبرك من نحن يا ابنتي؟ "نحن الطبقة الكادحة التي تأكل الخبز والبصل، نحن الشريحة التي تناستها الحكومة ومن يتحدثون باسم حقوق الانسان، نحن نساء لم نشعر بانوثتنا التي ضاعت بين الجوع والفقر، نحن الامهات اللواتي فقدن ابنائهن بسبب داعش!

في تلك اللحظات، امتلأت عيني بالدموع ولم انطق بكلمة. نعم، كنت اعلم ان خلف الكواليس، حكايات محزنة ولكن ليس لهذه الدرجة!

عادت الخالة  لتلمس يداي بكفها المتخشب وهي تقول "اذهبي يا ابنتي لتحصلي على تهاني العيد من نساء لا يعرفن طريق هذا السوق، اما نحن فكل يوم ونحن في معاناة متجددة، ربما يعلمها العالم ولا تعلمها دولتنا التي تركتنا للبؤس والمرض.."

في تلك الساعات الصباحية القليلة،  تعرفت على عشرات القصص  المليئة بالظلم والمعاناة التي تعيشها المراة العراقية البسيطة وهي تحمل على عاتقها مسؤولية اسرتها، ورغم ذلك لم ارى الهزيمة في عيونها بل رايت ابتسامة على محياها ...

وبعد ان هممت بالرحيل ودعتني قائلة: " لن انساك بالدعاء واحتفظي بصورتي معك للذكرى فقد تنفعك يوما من الايام" ...

اتسائل ترى هل ستتذكر النساء المترفات والمسؤولات وذوات المناصب الحكومية هؤلاء النساء الفقيرات؟ وهل سيحتفلن معهن في عيد المراة العالمي، ام انهن سيكتفين بدعوة صديقاتهن والمقربات منهن ليقطعن كعكة العيد ؟ فاذا كانت المراة لا تشعر بهموم المراة الاخرى ولا تساعدها فمن سيكون منقذها ؟

الاجدر ان يكون عيد المعاناة العالمي...

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات