امراة عظيمة

امراة عظيمة

منذ ولدت وهي تناضل من أجل ان تثبت وجودها، فلم توقفها الامية التي كانت شائعة في زمانها بين النساء ولم تتردد في دخول المدرسة التي حرم منها الكثير من اخوتها ليشتغلوا بالمزرعة.

دخلت المدرسة رغم ان الكتب لم تكن متوفرة، فكانت تقطع مسافة كبيرة فقط لتقرأ مع صديقاتها، حيث كانت كل خمسة فتيات يقرأن بكتاب واحد ولم تقصر في واجباتها المنزلية، خوفا من حرمانها من التعليم.

اكملت دراستها ودخلت اعدادية التجارة وتخرجت منها لتتوظف في إحدى المؤسسات الحكومية، لتبدأ قصة صبر وتحدي من نوع جديد، حيث كانت العادات والتقاليد الاجتماعية حاجزا أمام نجاح الكثير من الفتيات في السبعينات. تميزت  بقوة شخصيتها وعفتها التي أصبحت سمتها وعنوان شموخها وهي تجيد اللغة الانكليزية وقليلا من الفارسية والفرنسية.

بدأت مشوارها الوظيفي المليء التحديات، فقد كانت تعمل كمحاسبة ومسؤولة الخزينة وكانت تتقن عملها، كما أنها رفضت كل انواع الترغيب والرشوة للتلاعب ببعض الارقام والاوراق، الامر الذي جعل بعض المتنفذين يضغطون عليها، فمرة ينقلوها الى مكان عمل بعيد واحيانا يبعثون بلجنة رقابية تطيل اجراءاتها المعقدة ومرة أخرى تُحرم من الاجازات الاعتيادية وغيرها من المضايقات، لكنها وقفت كجبل شامخ لم تهزم ولم تنحني وأكملت مشوارها الوظيفي المشرف لتتقاعد وتتفرغ لامورها الخاصة.

ورغم كل تلك الصعوبات في حياتها، انشأت أسرة جميلة عرفت بتماسكها الاجتماعي وسيرتها الحسنة.

انها امي التي ربتني حتى بلغت أشدي وشجعتني كثيرا واستلهمتُ من حكاياتها وتجاربها الكثير من العبر التي واجهت بها جميع الصعوبات التي اعترضتني.

حكاية النضال هذه ليست حكرا على أمي، بل الكثير من الامهات العراقيات عشن ظروفا أشبه بها، فمنهن من واصلن طريقهن وبلغن أعلى المستويات ومنهن من غلبتهن الظروف، لكنهن أنشأن أبناءا صالحين قدموا للوطن الكثير.

كل أم عراقية هي امراة عظيمة تستحق ان نكتب عنها ونشير الى عطائها ودعمها بمنتهى الوفاء والاخلاص، لأنها اساس الحياة ورونقها الذي لن ينطفئ مادامت انفاسها الدافئة تملئ حياتنا سعادة وحبا وسلاما.

لذلك قررت ان اكتب في احدى مدوناتي عن امي المراة العظيمة، الجندي المجهول الذي مازال يدعوا لي في غيبتي ويقف الى جانبي في السراء والضراء.

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات