"لقيطة"

في تلك الردهة في مشفى الاطفال بالديوانية، شاهدت تجمعا بشريا ذكرني بتجمع الذباب على قطعة حلوى، وقد تصاعدت احاديثهم الغريبة وهم يلتقطون الصور بموبايلاتهم، فشدني الفضول لان اعرف الامر. دنوت منهم لأجد طفلة صغيرة، لا يتجاوز عمرها بضعة ايام موضوعة في علبة بلاستيكية كتب عليها "لقيطة". انتابني شعور غريب، خليط بين العطف عليها والاسف لمن شتمها وشتم والدتها من المتجمعين. وطبعا لم اسمع عن شتيمة توجهت لوالد الطفلة ! انتبهت ان الناس حتى في هذا الظرف  يبرؤون الرجل من خطيئته!

كثرت في هذه الايام ظاهرة ترك الاطفال الرضع  قرب المشافي أو عند الجوامع أو قرب مراكز الشرطة لضمان التقاطهم وتربيتهم ! واغلب الاطفال المتروكين من "الاناث".

لن انسى صورة الطفلة وهي تحدق بالناس المجتمعين حولها وتحرك يديها ببطيء، دون ان تعرف انها حديث الساعة وان صورها ستنتشر على الفيس بوك وانها مادة دسمة للاعلام!

وبينما كنت أفكر كيف ستعيش الطفلة ومن سيحميها، جاءت امراة جميلة المظهر في الاربعينات من العمر كان يبدو عليها الثراء، فتطلعت فيها بنظرة رحيمة وتساقطت دموعها بمجرد ان اقتربت منها، دون ان تبالي بمن حولها. ثم تركتها ورحلت، فلحقت بها لأجدها تبكي في احدى الزوايا. لما راتني قالت: "حرمت من الامومة لسنوات وستكون هذه الطفلة ابنتي". انتابتني فرحة كبرى، فقد ادركت عطف الله على عباده، عندما يحرم الانسان من شيء سيعوضه بشيء اعظم منه ! لكن الامر لا يخلو من الخطورة بسبب كثرة عدد الفتيات اللواتي يتخلى عنهن اهاليهن بطريقة لا تختلف عن وئد البنات المتبع في زمن ما قبل الاسلام.

ولا أعلم كيف يمكن ان تعالج هذه المشكلة التي بدات تزداد شيئا فشيئا دون اهتمام الجهات الرسمية ومنظمات المجتمع المدني، مما قد يعرض حياة الكثيرمن الاطفال لعمليات الخطف وجرائم الاتجار بالبشر.

السیرة الذاتیة

منار الزبيدي من مواليد اغسطس1980 مدونة عراقية وصحافية وناشطة في مجال حقوق المراة. تؤمن بان المراة هي اساس تقدم ورقي المجتمع ولذلك جندت كتاباتها لنصرتها والدفاع عن حقوقها والاهتمام بكل ما يحيط به وما تتطلع اليه. لها مدونتان: الاولى تهتم بالمراة والقضايا الاجتماعية و اسمها "مدونة الصحافية منار الزبيدي" و الثانية  تعنى بتراث وحضارة الديوانية ( 180 كلم جنوب بغداد) و اسمها " المنارة للثقافة و الحضارة". تعمل حاليا كرئيس تحرير وكالة المنار نيوز

manar_alzubedy@yahoo.com


مقالات   منار الزبيدي

مقالات اخری للمدونات