هاتفي لا يرن

هاتفي لا يرن

اكثر الاشياء التي تجعلني كئيبة أثناء العمل هو أن كل زميلاتي يرن هاتفهن، حيث يتلقين مكالمات من زوج أو من ابن أو من صديقة أو من أحد أفراد العائلة، أما هاتفي فلا يرن حتى لمكالمة خاطئة! هذا ذكرني بقصة سمعتها من فترة قصيرة، عن سائق وموظفة نشأت بينهما قصة حب عن طريق الهاتف، فكان هاتفه – و هاتفها – لا يهدآن كل الوقت، وعندما اقول كل الوقت، فأنا اعني ذلك تماما وأحياناً تستمر المكالمات حتى الصباح! كلاهما كان مستمتعا بالحديث مع الآخر ويبني الاحلام والقصور في الرمل. وتطورت تلك العلاقة إلى زواج سري لا يعلم به اهلهما، استمر اكثر من عشر سنوات. ورغم ان الفتاة كانت تساعده مادياً في مواقف كثيرة، الا ان الشاب كان يؤجل اعلان موضوع الزواج لانها موظفة وهو مجرد سائق بسيط  وكان ينتظر ان يحصل على أي وظيفة متواضعة، حتى لو حارس مدرسة، كي يصبح لديه راتب و يستطيع ان يتقدم لخطبتها رسميا. وبالفعل دخل عدة دورات وبمساعدة معارف له حصل على وظيفة بسيطة براتب قليل، واستعد ليخطب زوجته بشكل رسمي.

 لكن الزوجة كانت قد بلغت الاربعين وظهرت عليها آثار التقدم في السن،  بينما ظل السائق شابا ووسيماً، لذلك رفضت عائلته ان يتزوج بها. كما أن أمه علمت بالعلاقة السرية السابقة بينهما، فلم تشأ ان تجلب فتاة بمثل تلك الجرأة إلى منزلها، لذلك خطبت لابنها شابة جميلة في العشرين وتزوجا بعد ان قطع علاقته بالزوجة السرية الاولى. أما هذه الأخيرة، فقد اصبحت نصف مجنونة، تعيش كالاموات، يأكلها الندم.

هذه القصة مشابهة لمئات القصص التي تحدث باستمرار. حتى لو كان الشاب ينوي الزواج فعلاً من هذه البنت ومشاعره صادقة تجاهها، فتلك المكالمات ليست عقداً في محكمة ولا شهود عليها، وتلك السنوات التي بذلتها في انتظاره، هي سنوات ضائعة كان من المفروض ان تبني بها حياتها و مستقبلها، وبيتاً حقيقياً لا سراباً.

هذه القصة جعلتني احمد الله الف مرة، ان هاتفي لا يرن.

السیرة الذاتیة

نور العراقية من مواليد بابل 1978 وهي خريجة معهد معلمات و كلية تربوية مفتوحة. نشرت لها مقالات في جريدة العراق غدا و الرأي و ملحق في جريدة الصباح. عندها كتب منشورة هي عبارة عن قصص قصيرة. لها اهتمامات بالادب و التصوير و قضايا المرأة في المجتمع الشرقي.

singlecofe@gmail.com

مقالات   نور العراقية

مقالات اخری للمدونات