الايزيديون بين ارهاب "داعش" ومخيمات النزوح
11/01/2021
الايزيديون بين ارهاب "داعش" ومخيمات النزوح

الموصل : شروق ماهر

 سجلت مخيمات النازحين الايزيديين الهاربين من بطش عصابات داعش، ابان سيطرتها على مدينة الموصل في الرابع عشر من شهر آب عام 2014، عندما نزحت الآلاف من الاسر الايزيدية الى شمال العراق واغلب مناطق اقليم كردستان، اعداداً قياسية لحالات الانتحار بين الشباب والشابات في عمر يتراوح بين (18 - 25) عاماً، اذ أن اغلب هذه الحالات كان سببها الاوضاع المعيشية والحالات النفسية والعاطفية ايضاً.

 

2020 الأخطر

لطالما شهدت محافظات العراق حالات كثيرة من الانتحار، لكن انتحار الشابات والشباب الايزيديين وباعداد كبيرة دق ناقوس خطرها، خاصة ان حالات الانتحار اثارت الجدل، كونها حدثت في فترات متقاربة جداً، ما سلط الضوء بقوة على قضية انتحار الشباب في مخيمات النزوح، اذ يرجح  الكثير من اسر المنتحرين أن اسباب عملية الانتحار تعود اغلبها لظروف المخيمات السيئة، خاصة ان اكثر حالات الانتحار وقعت بين النازحين العراقيين ومن الايزيديين تحديداً الذين ما زالوا في المخيمات التي تفتقر لأبسط مقومات الحياة.

 

قلق حكومي 

وبحسب مسؤولين محليين عن محافظة نينوى فقد سجلت الحكومة المحلية (16) حالة انتحار خلال فترة لا تتجاوز التسعة اشهر، بين هذه الحالات (3) فتيات شابات بعمر الزهور، انتحرن بفارق توقيت لا يتعدى الـ24 ساعة  مطلع عام 2021، ما اسفر عن قلق مسؤولين محليين ومنظمات معنية بحقوق الإنسان، وقد حمّلت هذه المنظمات الحكومة العراقية مسؤولية ذلك، مطالبة إياها بإيجاد حل لملف النزوح الذي تتفاقم آثاره السلبية.

 

أحلام بلا أحلام

بدوره حمّل قائممقام قضاء (سنجار) محما خليل، الحكومة الاتحادية مسؤولية الأوضاع المأساوية التي تواجه النازحين من القضاء، والتي دفعت بعضهم إلى الانتحار مؤخراً.

وقال خليل " ان " حالات الانتحار بين صفوف الشباب الايزيديين قد سجلت اعلى نسبة، لافتاً الى أن اثنتين من النازحات الايزيديات انتحرتا بحادثين منفصلين في مخيمات نازحين، يقطنها الايزيديون مع دخول اول ساعات عام 2021}.

واضاف "إن الشابة أحلام خديدا (15 عاماً)، وهي نازحة من سنجار، انتحرت مساء الاثنين الماضي، وبين أن الضحية تسكن في مجمع شاريا جنوبي محافظة دهوك".

وجاءت الحادثة بعد ساعات من انتحار الشابة أسمهان خدر، والتي كانت تسكن في مخيم أيسان للنازحين في قضاء الشيخان جنوب شرق دهوك.

ويردف خليل قائلا: {ان حالات الانتحار التي سجلت بين صفوف النازحين الايزيديين ليست الأولى، ويبدو أنها لن تكون الأخيرة". محملاً مسؤولية تلك الحالات للحكومة الاتحادية بسبب تقصيرها الواضح في ملف النازحين السنجاريين}.

ودعا خليل السلطات الاتحادية إلى "اتخاذ قرارات حقيقية لإنهاء معاناة النازحين من خلال تنفيذ اتفاق سنجار بالكامل، ليتمكن النازحون من العودة إلى مناطقهم من جديد"

كما حمّل خليل بعثة الأمم المتحدة في العراق مسؤولية جزء كبير من المأساة التي يعانيها النازحون في المخيمات، لكونها لم تقدم لهم مساعدات على أرض الواقع، من حيث إعادة دمجهم وتأهيلهم وتوفير فرص العمل والحياة الحرة والكريمة لهم التي قد يدفع انعدامها اكثر الشباب الى  الانتحار".

 

ناشطات يخرجن عن صمتهن

وقالت الناشطة والحقوقية رفاه حسين ان "المخيمات  القريبة من محافظة دهوك، والتي تعود للنازحين الايزيديين، باتت تسجل خطراً كبيراً  في حالات الانتحار بين صفوف الشباب، ونحن نسمع ونسجل ونرى جثث المنتحرين وهم بأعمار الزهور".  

وتروي لنا الناشطة رفاه وهي تقطن مع النازحات الايزيديات والناجيات في المخيمات، بعد سيطرة "داعش" على سنجار في شهر آب عام  2014، وحتى اليوم، ان هناك شابه أيزيدية اسمها هيفاء (19 عاماً)، أضرمت النار في جسدها في مخيم "باجد كندالا" للنازحين الايزيديين في قضاء زاخو  شمال العراق، وتوفيت مباشرة صباح اليوم التالي.

وتضيف رفاه "ان الشابة هيفاء تركت دراستها منذ سنوات، وكانت تواجه ظروفاً قاسية، تعاني منها  معظم الايزيديات، ليصل بهن الأمر غالباً إلى الانتحار".

وكانت هيفاء تقيم في خيمة واحدة مع والديها واخوتها، و تسيطر عليهم الأجواء السلبية الناجمة عن البطالة والفقر الشديد، وفق ما قالت رفاه.ومنذ سنوات، تواظب رفاه على زيارة مخيمات النازحين، اذ تصف وضعها بـ"المأساوي" مضيفةً "لا يستطيع النازحون العودة لمناطقهم، فالوضع في سنجار مزرٍ ولا يطاق، من حيث نقص الخدمات، وتهدّم غالبية البيوت، ما يجعلها غير صالحة للسكن".

وتتابع رفاه القول "لا فرق بين المخيم والسجن، اذ لا تستطيع الفتيات العيش بشكل طبيعي".

وبالإضافة إلى الفقر والحرمان ونقص الخدمات الصحية، هناك أسباب أخرى تتعلق بالسلطة العشائرية ودور الذكور في الاسرة والمشكلات التي تحدث بسبب التضييق على النساء والفتيات، ما يولّد الخوف من العقاب والفضيحة.

وتبين رفاه "لسنوات ونحن نطلق مع ناشطات حملات لإنقاذ النازحات الايزيديات من واقعهن المزري ومواجهة ظاهرة الانتحار في المخيمات، لكن بلا جدوى".

 

"لا تبكي عليّ"

 ويضيف الناشط احمد جلال "لا تبكي عليّ" هي اخر عبارة كتبها الشاب الذي اقدم على الانتحار في مخيمات النزوح لوالدته ويضيف جلال "ان الانتحار في مخيمات النازحين ليس للنساء والفتيات فقط، فقد سجلت هذه المخيمات منذ عدة اشهر حالات انتحار متفاوتة، فقد أقدم شاب بعمر (16 عاماً) على الانتحار في مخيم (باجد كندالا)، وترك رسالة كتب فيها "أمي لا تبكي عليّ ولا تسأليني عن سبب انتحاري" وفق ما تروي رفاه، مؤكدة "أن عدد حالات الانتحار في المخيمات تصاعد الى (17) حالة مع انتهاء عام 2020".

وتقول الناشطة رنا جرجيس "توجد اكثر من 100 ناجية ايزيدية من داعش في مخيم دهوك، يعانين مشكلات صحية ونفسيّة واجتماعية، إحداهن حاولت الانتحار ونجت".

وتضيف "كلّ ما نسمع عنه حول دعم الناجيات والنازحات الايزيديات ومساندتهن، مجرد شائعات ولا صحة لها، وما يقدم لهن لا يمكن الاعتماد عليه لتخليصهن من معاناتهن".

 

أسر المنتحرين

وقد سجلت اربع حالات انتحار في مخيمات النزوح المخصصة للايزيديين في دهوك خلال اليومين الماضيين.

وكانت بعثة الأمم المتحدة في العراق قد حذرت في تقريرها للشهر الماضي، من تزايد حالات الانتحار على مدى السنوات الماضية، اذ توفي أكثر من 590 شخصاً في العراق في عام 2019 بسبب الانتحار، وحاول 1112 شخصا آخر الانتحار، 80 ٪ منهم من النساء، وفقا لأرقام المنظمة الدولية.

وتقول والدة الشاب درمان الذي انتحر مطلع شهر كانون الاول الماضي من عام 2020 "بان احد اسباب انتحار درمان الذي يبلغ من العمر 23 عاما، هو عدم ايجاد فرص عمل لابنائنا الايزيديين  داخل الاقليم، وحتى بعد عودتنا من النزوح الى قضاء سنجار، اذ ان افتقار درمان للعمل وتضارب الاوضاع التي مرت بنا خلال سيطرة داعش، واعدام والده امام عينيه في سن مبكرة من قبل عصابات داعش وامام الآلاف من الاطفال ابان سيطرتها على سنجار، خلفت اضراراً نفسية كبيرة، كانت سبباً للانتحار".

بينما يحمل والد الشابة المنتحرة سوزان ناجي (19 عاما) حكومتي المركز والاقليم مسؤولية اندفاع الشباب للانتحار، لعدم توفير بيئة مناسبة لهؤلاء الشباب داخل مخيمات النزوح التي تتزايد فيها اعداد الانتحار، وقلة فرص العمل وعدم الشعور بالاطمئنان، ويدعو ناجي المنظمات الحقوقية الدولية والأمم المتحدة إلى "التدخل لإيجاد حلول لأزمة النازحين ومعاناتهم، وخاصة الايزيديين، للقضاء على حالة الإحباط التي وصل إليها

 النازحون".

 

فقدان الحلول

النائب عن المكون الايزيدي، صائب خدر بدوره حمّل الحكومات المحلية والحكومة المركزية، مسؤولية تفاقم  ظاهرة الانتحار قائلا: "أنّ هناك بعداً نفسياً وانعكاسات وضغوطاً يتعرض لها النازحون نتيجة المعاناة المستمرة، التي لا يمكن للإنسان أن يتحملها، الأمر الذي زاد من الانتحار".

ويضيف  "يجب على لجان حقوق الإنسان أن تعمل على تخفيف تلك المعاناة، وأن تأخذ دورها إزاء ذلك".

مشيراً إلى أنّ "الحكومة عاجزة عن حلّ المشكلات الأساسية، ومشكلة سنجار وإدارتها والأمن والنازحين تحتاج إلى تحرك حكومي، إذ يجب أن تفرض الحكومة سلطة القانون وتفصل الملفات عن بعضها، وتعمل على حلّ ملف النزوح، اذ ان ازدياد حالات الانتحار أثار قلق مفوضية حقوق الإنسان العراقية، التي عبرت عن خشيتها من فقدان الحلول في هذا الملف".

 

عودة طوعيَّة

من جانبه اعرب محافظ نينوى نجم الجبوري عن قلقه ازاء انتحار اربعة اشخاص في شهر واحد فقط، داخل مخيمات النزوح في دهوك وجبل سنجار.

وبين الجبوري  أنّ "الحالات الثلاث هي لأبناء من المكون الايزيدي، ممن كانوا ضحايا العنف والاسترقاق، في حقبة داعش الإرهابية، وما زالوا يعانون آثاراً نفسية عميقة بسبب تعرضهم لهذه الجرائم وفقدانهم لذويهم، طوال فترة تواجدهم في هذه المخيمات، التي زادت من معاناتهم الإنسانية". وطالب الجبوري الحكومة المركزية بالاسراع  لإعادة النازحين طوعاً، ودراسة الأسباب التي دعت إلى ارتفاع معدلات الانتحار في مخيمات النازحين، ووضع الحلول والمعالجات العاجلة لها.

ودعا المنظمات الدولية العاملة  في المجال الصحي داخل المخيمات، إلى "تكثيف برامج التأهيل النفسي للنساء ضحايا العنف، خلال حقبة داعش الإرهابية، والإسراع في توفير مستلزمات العودة الطوعية، وإنهاء نزوح هذه الأسر، بعد استكمال إجراءات تأهيل قضاء سنجار واعادة استتباب الامن والخدمات العامة الى هذا القضاء".