"تحقيق ’استقصائي " يكشف المسكوت عنه ضد القاصرات.. زواج ’الغصب’ يقتل الأحلام الوردية
09/01/2021
"تحقيق ’استقصائي " يكشف المسكوت عنه ضد القاصرات.. زواج ’الغصب’ يقتل الأحلام الوردية

ناس - علي إياد ومروة محمد   

في صدر غرفة نومها جلست “تبارك” ذات الأربعة عشر عاما، بملابسها البيضاء وهي تطالع بفرح مرآة كبيرة صفت الى جانبها قناني عطور وعلب مكياج جديدة، قبل ان تفاجأ بانعكاس صورة زوجها وهو ينزع ثيابه، فأسرعت نحو حقيبتها المركونة جانبا لتخرج منها لعبتها المفضلة وتضمها بقوة الى صدرها.  

لم تمر سوى لحظات حتى امتدت يداه الى كتفيها محاولا ضمها وهو يبتسم، قبل ان يمسك بلعبتها ويدفعها جانبا، ثم يبدأ بتقبيلها. تقول: “لم اكن اعي ما يحصل، كنت خائفة وانا احاول التخلص من ذراعيه لكن دون فائدة.. جسدي كله كان يرتجف حين بدأ بنزع ملابسي ثم دفعني للسرير ماسكا بذراعي كي لا أتحرك”.  

تضيف: “صرخت مستنجدة بأمي لتخلصني منه.. كانت متواجدة في نفس المنزل، لكن صرخاتي لم تنجدني”.  

في هذا الوقت كانت أم تبارك منشغلة بالرقص مع عائلة العريس على أصوات الموسيقى العالية، وتبادل الاحاديث مع عمة ابنتها، وهما ينتظران المنديل الممتزج بالدم يخرج من غرفة ياسر (29 عاما).

مع نهاية .. ، جلست تبارك مقرفصة وعيناها مليئتان بالدموع. فتح الباب لتدخل عمة تبارك وأمها وهما يهلهلان بعد رؤيتهما المنديل وعليه قطرات من الدم، قاما بتقبيل جبين ياسر ومغادرة الغرفة سريعا، بينما بقيت تبارك منسية في زاوية أسفل السرير وكأنها كائن خفي لم يرها أحد، بحسب قولها.  

لا استطيع اكمال المقابلة”. بنفس متقطع تقول تبارك، بعد مرور أكثر من أربع سنوات على زواجها من ابن خالتها. بعد لحظات من الصمت تكمل “ربما نكمل المقابلة غدا لأني اشعر بالتعب.. أشعر ان كل الآلام عادت لي”.  

الحالة الاقتصادية السيئة والعادات والتقاليد والخوف من المستقبل وغياب برامج التوعية، تدفع عشرات آلاف العوائل الى تزويج بناتهن قبل بلوغ الـ 18 عاما، فيخسرن في الغالب فرص اكمال دراستهم، وتتعرض نسبة كبيرة منهن للتعنيف ولمضاعفات صحية ونفسية، بحسب بيانات تنشرها منظمات وجهات رسمية.  

تبارك كانت مجبرة على الزواج كونها تعيش في مجتمع يشجع على تزويج الفتيات في سن مبكر من الأقارب “لمنع وقوعهم في الخطيئة ولحمايتهن من الانحراف والاستغلال” وفق ما يتردد بين العوائل.  

قصة تبارك تتكرر لدى عشرات آلاف البيوت، وسط ارتفاع نسب زواج القاصرات في العراق في السنوات الاخيرة، بحسب احصائيات وزارة التخطيط العراقية، مدفوعة بالشعور بغياب الأمن الاجتماعي وتزايد معدلات البطالة والفقر التي وصلت في مناطق جنوب البلاد الى أكثر من 50بالمئة.

  

فرح وألم  

الآلام لم تكن محتملة ولم أكن قادرة على تحريك جسدي” تقول تبارك وهي تصف حالتها في ليلة زفافها “كنت أطوي رجليَ بذراعيً وأضمها الى صدري، واتقلب يمينا ويسارا من شدة الالم… لم يسمع أحد صرخاتي الصامتة وسط صخب الأغاني واطلاقات الرصاص احتفالا بالعريس الذي خرج متباهيا ومحتفلا معهم”.  

بعد ساعة من الرقص، عاد ياسر الى غرفته مجددا وتمدد الى جانب زوجته وهو يلقي عليها كلمات الاعجاب. لم يشعر بألمها. ظل يردد الأمر طبيعي لا تخجلي ستشعرين بالتحسن والمتعة. لم تكن تعرف ما يقوله. بعد دقائق جامعها مرة ثانية. تقول “لم اكن قادرة على الكلام، لكنه استمر”.  

أجبرت تبارك في ليلة زواجها على ممارسة الجنس مع زوجها لثلاث مرات، ولم تكن تعلم ان ما يحصل معها انتهاك لطفولتها وحقوقها أو انه اغتصاب تقبله العادات ويقبل به القانون.  

ترى الناشطة النسوية سهيلة الأعسم التي تعمل في رابطة المرأة العراقية، ان هذه الممارسة اللا انسانية يقوم بها الرجل بدافع اثبات نفسه وقوته ورجولته من خلال تقديم دليل الاثبات “المنديل الملطخ بالدم” وهي تأتي نتيجة مجتمع ذكوري يحب السيطرة ويربط الرجولة بممارسة الجنس في ليلة الزواج بغض النظر عن استعداد الفتاة وقبولها او رفضها.  

وتنبه الى ان هذه الممارسة “مؤذية نفسيا للفتاة، كما انها قد تكون مؤذية جسديا”.  

تقول عضوة منظمة حقوق المرأة العراقية رؤى احمد ان “معظم النساء اللواتي يتزوجن بسن مبكر يشعرن انهن مرغمات على تلك العلاقة مع الرجل”.  

وتضيف هذا ما تقوله معظم النساء اللواتي قبلن التحدث مع الناشطات في المنظمة “كان ينتابهن شعور بانهن مرغمات على اشباع رغبات الزوج، فتتحول الممارسة الجنسية لتلك الفتيات الى عادة لا متعة فيها”.  

 

شرف العائلة  

ياسمين (22 عاما) فتاة أخرى واجهت الـ “الاغتصاب الزوجي” بعد ان زوجها أهلها وهي في 16 من عمرها، تقول “ما ان دخلنا غرفتنا حتى انقض عليَ، كنت ادفعه لكنه اصر على ذلك في تلك الساعة، وعندما لم يستطع بسبب امتناعي استخدم أصابعه مما سبب لي ألما شديدا”.  

عانت ياسمين في أيام زواجها الأولى من آلام بسبب التبعات الجسدية لعلاقتها بزوجها الذي رفض أخذها الى طبيبة نسائية لمتابعة حالتها.  

ضربني كلما طلبت ذلك” تقول ياسمين وهي تشيح بوجهها بعيدا، وتضيف “لم يكن مهتما بي كل الذي اراده ان يبين رجولته لوالده وامه… ففي ليلة العرس وبحسب العادات اخراج الدم مهم جدا لتكون رجل كامل وتثبت شرف زوجتك وعائلتها”.  

تؤكد رؤى أحمد ان بعض الشباب في ايام زواجهم الأولى يلجؤون وتحت ضغط سمعة العائلة الى استعمال العقاقير المقوية واللجوء الى اساليب جماع غير صحية لأجل اثبات الرجولة “ارتباط مفهوم الشرف وعفة الزوجة ورجولة الشاب بغشاء المرأة يدفعه أحيانا الى استعمال اساليب قد لا تكون صحية بل ومؤذية للفتيات”.  

  

خطر يهدد المرأة  

الممارسات الجنسية غير الصحية، بما فيه ممارسة الجنس بالقوة مع فتيات صغيرات قد تشكل تهديدا لحياتهن مع احتمال تمزق جدار المهبل، بحسب طبيبة الأطفال ملاذ الربيعي.  

تستذكر الربيعي انها استقبلت في احد الايام بالمستشفى الذي كانت تعمل فيه طفلة عمرها 11 عاما وهي تعاني من نزيف حاد “تم اعطاء 11 قنينة دم لها لكنها لم تنجو. بعد دقائق من مفارقتها للحياة قال الاب لزوج ابنته المتوفية والذي يبلغ 37 عاما: ابشر بالعوض”.  

وهذه الكلمات يرددها في بداية “فاتحة” الزوجة للزوج، ويقصد بها اعطاء فتاة أخرى للزوج.  

تضيف الطبيبة “في بعض الحالات لا يوجد تناسق بين الاجهزة التناسلية للفتاة والرجل مما يجعل عملية الجماع أمرا مستحيلا، وبسبب ضغط الأعراف قد يجامعها بطريقة غير سليمة كما حصل مع ياسمين، وهذا الامر يؤدي الى آلام شديدة تستمر لاسبوع او اكثر، وقد يسبب لها ما يسمى طبيا جرح الجماع الأول والذي يتضاعف ليصل الى المثانة وفتحة الشرج وقد يسبب التهابات مزمنة”.  

ياسمين التي انتهى زواجها بعد أقل من عام، ترفض فكرة الزواج مجددا، لخوفها من أي علاقة جنسية على الرغم من مضي خمس سنوات على طلاقها. تقول: “آراهم جميعا مغتصبين ولا يهتمون بنا”.  

ترجع الناشطة في منظمة حقوق المرأة العراقية رؤى احمد، ذلك الخوف الى ان الفتيات “لا يتقبلن التغيرات الجسدية التي تحصل معهن بعد قيام الأهل بتزويجهن مما يدخلهن في صراع مع انفسهم، يتحول هذا الصراع الى كره للعلاقات الجنسية وعدم الرغبة بتكرارها”.  

وترى الطبيبة ملاذ الربيعي ان الفتاة “تشعر ان جسمها يتعرض للانتهاك وتبدأ بكره جسدها وهذا قد يحولها لانسانة انطوائية ترفض الاندماج بالمجتمع ومن الممكن ان تصل الفتاة الى حالة من الاكتئاب او الانتحار او يقمن بتعنيف أطفالهن وذلك وسيلة لتفريغ الغضب”.