التعليم لم يعد مجانيا ..
11/10/2017

علي دنيف حسن

في الوقت الذي يستطيع فيه احد ميسوري الحال دفع 75 الفا لوجبة طعام، او ثمناً لسلعة قد تكون غير ضرورية من غير ان يتعكر مزاجه، أو يشعر بالقلق لأي سبب، يعد هذا المبلغ مبلغا باهظا بالنسبة للأربعيني عباس فرج الذي يسكن في اطراف بغداد ويمتهن «الدوارة» عملا له.

ويقول فرج بحزن واضح: «دفعت هذا المبلغ ثمنا لتجهيز ما يحتاجه اولادي الاربعة  استعدادا لبدء العام الدراسي، وهو مبلغ كبير جدا قياسا بما يدر علي عملي البسيط، وهو مبلغ «يكسر الظهر» كما يقال، لا سيما وقد دفعته خلال مدة قصيرة مما اكتنزه من نقود تحسبا لتقلبات الأيام وللحالات الطارئة التي لا يكاد احد ينجو منها «.

ولفرج الذي يعيش في بيت صغير استأجره من أحد اقاربه ثلاثة اولاد أكبرهم في المرحلة المتوسطة وبنت صغيرة في الابتدائية، وعانى الرجل من تلكؤ نجله الأكبر الذي استساغ البقاء في بعض الصفوف لأكثر من عام نتيجة قلة وعيه وتهاون المدرسين في أداء مهامهم.

 ويضيف الرجل الذي بدأ الشيب يحتل مواقع بارزة في لحيته النابتة: « كل ما اقتنيته هو ملابس وحقائب من الدرجة الثانية وبعض القرطاسية لتمشية الحال، وهناك متطلبات اخرى ستظهر في المستقبل وهي تحتاج للمزيد من المال بالتأكيد». ومثل فرج هناك الكثير من الناس الذين بات التعليم يؤرق ميزانياتهم المالية قبل ان يؤرق افكارهم، لاسيما اولئك الذين ليس لهم دخل ثابت، ويعتمدون على ما يجود به الحظ الذي يصيب مرة ويخطئ مرات كثيرة، فهم كالصيادين الذين يتحكم الحظ في ما تمسكه شباكهم. ويوضح فرج وهو يحاول ترتيب ثيابه الشاحبة نتيجة التعرض المستمر لشمس الصيف الحارقة: « لم تعد احتياجات المدرسة بسيطة كما عهدناها في السابق، فهناك المزيد من المتطلبات التي يجب توفيرها واولها الملازم والدروس الخصوصية، فضلا عن القرطاسية التي تخضع في بعض الاحيان لأمزجة المعلمين والمدرسين».

ويؤكد فرج وهو يشعل سيجارة من النوع الرخيص ينفح دخانها بحسرة عاليا: « بعض المعلمين والمدرسين يفرض على الطلبة نوعا خاصا من الدفاتر، فهذا يطلب دفترا بمئتي ورقة وذاك يطلب دفتر «ابو السيم»، من غير مراعاة لأسعار تلك الدفاتر التي ترهق ميزانية العائلات الفقيرة». وكانت وزارة التربية قد اعلنت في تصريح سابق نشرته «الصباح» ان تجهيز الطلبة بالقرطاسية سيكون على نحو جزئي لعدم توفر التمويل الخاص بهذا الاجراء، وانها ستعتمد على ما متوفر في مخازنها من الاعوام الماضية لتجهيز الطلبة بما يتيسر من القرطاسية.

وعن عمله الذي يكسب رزقه منه يقول فرج انه يعمل «دوارا» حاله حال شريحة كبيرة من المواطنين لم تجد نافذة للعيش الا بممارسة هذه المهنة القاسية، ويمتلك عباس فرج عربة يجرها حصان نحيل بارز العظام نتيجة التعب والجهد هي راس ماله الوحيد واداة عمله الوحيدة ايضا.

ويصف فرج رحلته اليومية بالقول:« مع اول خيوط الفجر اقود عربتي من محل سكني في منطقة الحميدية المحاذية لمدينة الصدر نحو المناطق القريبة من محل سكني كالبنوك والشعب والصليخ والاعظمية لشراء ما يفيض عن حاجة الناس من اجهزة كهربائية وأثاث ومواد غذائية أيا كان نوعها».

ويضيف فرج بأسى واضح:« اعود بعد الظهيرة بما اشتريته لأبيعه في الاسواق الشعبية ولبعض المختصين بشراء سلع معينة، لأحصل على بعض المال، وغالبا ما تخيب رحلاتي فأعود بلا اي نتيجة سوى التعب والارهاق».

ويحلم فرج بالخروج من اتون جحيم الحياة الذي وجد نفسه ملقى فيه بشراء سيارة أجرة نوع «سايبه» لأنها اقتصادية ورخيصة الثمن عسى ان يتخلص من العربة والحصان الذي يمرض في بعض الاحيان، لكن هذا الحلم غالبا ما تشمه متطلبات الحياة المتجددة ومن بينها متطلبات تعليم الاولاد.

وغالبا ما يتذكر الرجل الفقير الحال تلك الأيام التي اعقبت سقوط نظام صدام الدكتاتوري في العام 2003 اذ وزعت وزارة التربية بالتعاون مع منظمات دولية الكثير من المستلزمات المدرسية على الطلبة وكانت كلها من مناشئ عالمية لاسيما الحقائب التي كانت انيقة ومن النوع الممتاز، وكان يظن ان هذا الحال سيدوم لكنه سرعان ما تلاشى شيئا فشيئا نتيجة اسباب كثيرة.

م/ جريدة الصباح